ممر يتشكل
تعبر،وبشكل يومي، نحو 5 آلاف شاحنة محمّلة بالنفط القادم من الخليج العربي مسافة شاسعة من الصحراء السورية، في طريقها من جنوب العراق إلى ميناء بانياس السوري على البحر المتوسط، ضمن مسار بري بدأ يتحول إلى أحد أبرز البدائل المحتملة لمضيق هرمز.
وبدأت هذه الشاحنات العمل في أبريل/نيسان، في تجربة أطلقها مصدّرو النفط العراقيون لتجاوز مضيق هرمز، بعدما توقفت حركة نقل البضائع عبره على خلفية الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران.
واليوم، بات هذا المسار نموذجاً واضحاً لسعي الحكومة السورية، إلى الاستفادة من التغيرات التي تشهدها حركة الطاقة العالمية.
اقرأ أيضاً: عمال نفط الحسكة يحتجون.. مطالب بإعادة العقود مع إعادة ترتيب القطاع
بوابة المتوسط
بعد أكثر من 18 شهراً على سقوط بشار الأسد، تتطلع سوريا إلى الاستفادة من رفع العقوبات الدولية، وتعزيز موقعها الجغرافي الذي يمنحها منفذاً إلى أوروبا عبر ميناء بانياس.
وتسعى الحكومة برئاسة أحمد الشرع إلى تقديم البلاد باعتبارها ممراً برياً مستقراً نسبياً لنقل الطاقة والبضائع، وبديلاً عن الاعتماد الكامل على مضيق هرمز.
وبدأت بالفعل حكومات وموردو طاقة دوليون إبداء اهتمام بهذا المسار.
اقرأ أيضاً: من الحضارة إلى النفوذ.. سوريا تبحث عن قوتها الناعمة
خط أنابيب ضخم
في يوليو/تموز، أعلنت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب دعمها لمشروع خط أنابيب تقوده شركة شيفرون، لنقل مليوني برميل من النفط الخام يومياً من البصرة في جنوب العراق إلى بانياس، عبر المسار نفسه الذي تسلكه الشاحنات حالياً.
وقال المبعوث الخاص لترامب، توم باراك، عند الإعلان عن المشروع بحضور مسؤولين سوريين وعراقيين، إن خط الأنابيب يمكن أن يجعل مضيق هرمز «أمراً ثانوياً».
ويبلغ طول الخط المقترح نحو ألف ميل، فيما تقدر كلفته بنحو 5.7 مليار دولار، ويحتاج إلى عامين ونصف العام على الأقل لإنجازه.
وبالرغم من أنه لن يشكل بديل كامل عن مضيق هرمز، فإنه قد يتيح على المدى الطويل تنويع طرق تصدير النفط وتقليل الاعتماد على هرمز، خصوصاً بعد الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة خلال الحرب الأمريكية على إيران.
مخاطر أمنية
لكن الاستثمار في سوريا لا يخلو من المخاطر، رغم أن معظم مناطق البلاد تنعم بالهدوء نسبياً.
فخلايا تنظيم الدولة الإسلامية لاتزال تنفذ هجمات متفرقة، فيما سيمر خط الأنابيب المقترح عبر مناطق في غرب العراق حيث تواجه تحديات أمنية.
ويعتبر خبراء في قطاع الطاقة أن تأمين البنية التحتية سيكون التحدي الأكبر أمام المشروع، نظراً لطبيعة خط الأنابيب وطول فترة الاستثمار التي قد تمتد إلى 30 عاماً.
وتبرز أيضاً تساؤلات بشأن الجهات التي ستضمن أمن الخط، وإمكانية الحصول على تغطية تأمينية، ومدى جدوى المشروع إذا عاد الاستقرار إلى مضيق هرمز وانخفضت الحاجة إلى طرق بديلة.
عقد مرتقب
وقال نائب الرئيس التنفيذي للمؤسسة السورية للنفط، أحمد قوباجي، إن من المتوقع توقيع العقد النهائي في سبتمبر/أيلول، ضمن ائتلاف يضم شيفرون وشركة توتال إنرجي الفرنسية ومستثمرين سوريين وقطريين.
وأضاف أن الأطراف تبحث إجراءات أمنية تشمل استخدام الطائرات المسيّرة وتقنيات مراقبة متقدمة لحماية الخط، إلى جانب دعم أمني أميركي.
وقال قوباجي إن المشروع «أميركي»، مشيراً إلى أن 5 آلاف شاحنة تعبر يومياً من العراق إلى سوريا من دون وقوع حوادث أمنية.
كما كشف عن اتصالات مع مستثمرين قطريين لبحث إمكانية تمديد خط الأنابيب إلى قطر، فيما يرى محللون أن المشروع قد يجذب منتجي نفط خليجيين آخرين، بينهم الكويت، الراغبة في تنويع طرق التصدير بعيداً عن هرمز.
وأبدت قطر أيضاً اهتماماً بمشروع خط أنابيب آخر عبر سوريا لنقل الغاز الطبيعي المسال إلى ناقلات ترسو قبالة بانياس.
الخليج يراقب
يرى اقتصاديون أن الكويت والبحرين قد تهتمان بالارتباط بخط العراق-سوريا لتصدير النفط عبر البحر المتوسط.
أما السعودية، فتواجه تحديات مختلفة بعدما بدأت تحويل جزء من صادراتها النفطية نحو البحر الأحمر عقب إغلاق مضيق هرمز، في وقت تعرضت فيه حركة الملاحة في البحر الأحمر لتهديدات من جماعة أنصار الله في اليمن.
ويرى محللون أن البحر المتوسط قد يصبح في ظل هذه الظروف الطريق الأكثر أهمية أمام دول المنطقة لتنويع مسارات صادرات الطاقة.
ما وراء النفط
ولا تقتصر خطط سوريا على النفط والغاز، إذ وقعت خلال الأشهر الأخيرة اتفاقات مع تركيا والسعودية لإعادة تأهيل خط سكك حديدية يعود إلى العهد العثماني، بما يتيح ربط أوروبا بالبحر الأحمر عبر سوريا، ويوفر مساراً بديلاً عن باب المندب وقناة السويس.
كما وقعت سوريا والعراق اتفاقات لتسهيل حركة الشاحنات التي تنقل البضائع من الخليج إلى أوروبا.
وتراهن دمشق على موقعها الجغرافي باعتباره أحد أهم عناصر قوتها الاقتصادية، خصوصاً أن أسواق دمشق وحلب لعبت تاريخياً دوراً في ربط الشرق بالغرب، والبحر الأحمر ببحر قزوين، ونقلت السلع من الصين والهند ومصر وأوروبا.
إرث الحرب
لكن الطريق المقترح لخط الأنابيب يمر أيضاً عبر مناطق لا تزال تحمل آثار الحرب السورية المستمرة لنحو 14 عاماً.
بالقرب من الحدود العراقية، تقف محطة ضخ ضخمة لخط أنابيب سابق بين العراق وسوريا، بُني في خمسينيات القرن الماضي، مدمرة بعدما سيطر عليها تنظيم الدولة الإسلامية وتعرضت لغارات جوية أميركية جعلتها غير صالحة للاستخدام.
وفي الصحراء المحيطة، لا يزال الجيش السوري يعمل على إزالة الألغام ومخلفات الحرب.
وعلى امتداد نهر الفرات، في حقل العمر النفطي، قلّل أحمد الخضر، وهو مسؤول إقليمي في شركة النفط الوطنية السورية، من حجم التهديدات التي تواجه المنشآت النفطية.
وأقرّ بأن شاحنات النفط تعرضت لهجمات متفرقة، لكنه قال إن معظمها نفذها سكان محليون بسبب اعتراضهم على وقف عمليات الحفر غير المصرح بها، معرباً عن ثقته بقدرة الجيش على حماية البنية التحتية النفطية.
ثروة تحتاج الاستثمار
ويأمل الخضر أن يوفر خط الأنابيب المستقبلي منفذاً لتصدير النفط السوري، ويسهم في توليد إيرادات جديدة لبلد كان يعتمد سابقاً على النفط في نحو 30 بالمئة من دخله.
لكن الواقع الحالي لا يزال صعباً.
فبعد سيطرة الحكومة السورية الجديدة على حقل العمر في يناير/كانون الثاني، تبيّن أن آبار النفط تعرضت لأضرار كبيرة نتيجة سنوات من سوء الإدارة، ولم تعد تنتج سوى عُشر مستويات إنتاجها القصوى قبل الحرب.
كما تفتقر المؤسسة السورية للنفط إلى رأس المال.
وقال الخضر: «سوريا لا تفتقر إلى الخبرة الفنية. نحن نفتقر بشدة إلى الاستثمار والمعدات الأفضل».
فرصة على طريق طويل
تضع سوريا موقعها الجغرافي في قلب طموحها لاستعادة دورها كممر إقليمي للطاقة والتجارة، مع تدفق آلاف شاحنات النفط يومياً، ومشروعات لخطوط أنابيب وسكك حديدية تربط الخليج بالمتوسط وأوروبا.
لكن تحويل هذا الطموح إلى واقع يتطلب استثمارات ضخمة، وبنية تحتية حديثة، واستقراراً أمنياً، وقدرة على حماية طرق الطاقة الجديدة.
وبين أنقاض منشآت النفط القديمة وحركة الشاحنات المتزايدة، تحاول سوريا فتح صفحة جديدة في خريطة الطاقة الإقليمية، مستفيدة من موقع لطالما جعلها نقطة التقاء بين طرق الشرق والغرب.