تكشف أرقام مشروع موازنة لبنان لعام 2027 عن توجه مالي يركز بدرجة كبيرة على تأمين النفقات الجارية واستمرار تمويل الرواتب والمنافع الاجتماعية والقطاعات الأساسية، في وقت تعتمد فيه الخزينة على نمو الإيرادات الضريبية لتحقيق موازنة من دون عجز على الورق، وسط تساؤلات حول قدرة الدولة على تحصيل الإيرادات المقدرة وتنفيذ الإنفاق ضمن السقوف المحددة.
اقرأ أيضاً:دوريل يفتتح مهمته اللبنانية بلقاء الرؤساء الثلاثة
تبلغ الإيرادات والنفقات المقدرة لعام 2027 نحو 614.945 تريليون ليرة لبنانية لكل منهما، مقارنة مع 538.415 تريليون ليرة في موازنة عام 2026، بزيادة تصل إلى 76.5 تريليون ليرة، أي نحو 14.2%. وباحتساب القيمة بالدولار، ترتفع الموازنة من نحو 6.02 مليارات دولار في 2026 إلى قرابة 6.87 مليارات دولار في 2027، بزيادة تقارب 855 مليون دولار.
رغم تسجيل توازن حسابي بين الإيرادات والنفقات، فإن الوصول إلى نتيجة صفرية للعجز يرتبط بصورة أساسية بمدى تحقق الإيرادات المتوقعة، لا سيما أن الجزء الأكبر من الزيادة يأتي من الضرائب والرسوم المحلية وغير المباشرة، بدلاً من توسع واضح في مصادر الإيرادات المباشرة أو خفض جوهري في بنية الإنفاق العام.
تظهر البيانات أن الإيرادات الضريبية ترتفع من 439.613 تريليون ليرة في 2026 إلى 528.223 تريليون ليرة في 2027، بنمو يبلغ 20.2%. ويتركز جانب من هذه الزيادة في بند «إيرادات ضريبية أخرى»، الذي يقفز بنسبة 61.1%، رغم انطلاقه من قاعدة منخفضة تبلغ 16.2 تريليون ليرة في موازنة 2026.
يرتفع أيضاً بند الضرائب على الدخل والأرباح ورؤوس الأموال بنسبة 38.1%، من 57.6 تريليون ليرة إلى 79.6 تريليون ليرة. في المقابل، يسجل بند الضرائب على الملكية انخفاضاً بنسبة 5.4%، ما يعكس تفاوتاً واضحاً بين مكونات الإيرادات الضريبية وعدم اعتماد الزيادة على قاعدة ضريبية مباشرة ومتوازنة.
تستحوذ الرسوم الداخلية على السلع والخدمات، بما فيها ضريبة القيمة المضافة، إلى جانب الرسوم على التجارة والتبادلات الدولية، على نحو 388.370 تريليون ليرة، أي ما يعادل 73.5% من إجمالي الإيرادات الضريبية البالغة 528.223 تريليون ليرة. في المقابل، لا تتجاوز حصة ضرائب الدخل والملكية مجتمعة نحو 21.5%.
تحتل ضريبة القيمة المضافة موقعاً رئيسياً في هذه التركيبة، إذ تصل حصيلتها المقدرة إلى 205.666 تريليون ليرة، بما يعادل 38.9% من إجمالي الإيرادات الضريبية. ويعني ذلك أن جانباً كبيراً من الموارد المتوقعة يرتبط بالاستهلاك وحركة السوق، وهو ما يجعل التحصيل الفعلي مرتبطاً بمستوى النشاط الاقتصادي وقدرة الدولة على مكافحة التهرب وتحسين الجباية.
تتراجع الإيرادات غير الضريبية بنسبة 12.2%، فيما تهبط الرسوم والإيرادات الإدارية والمبيعات من 29.16 تريليون ليرة إلى 17.31 تريليون ليرة، بانخفاض نسبته 40.6%. كما تبرز تراجعات لافتة في عدد من الرسوم المحددة.
تصل رسوم المديرية العامة للأمن العام إلى 7.31 تريليون ليرة في 2027، مقارنة مع 11.18 تريليون ليرة في 2026، بتراجع نسبته 34.6%. أما رسوم إجازات العمل فتنخفض من 3.92 تريليون ليرة إلى 0.98 تريليون ليرة، أي بنسبة 75%.
تسجل رسوم الجامعة اللبنانية انخفاضاً حاداً من 956.8 مليار ليرة إلى 26.8 مليار ليرة، بتراجع نسبته 97.2%. كذلك تهبط رسوم تسجيل التلامذة في المدارس الرسمية من 3.1 مليارات ليرة إلى 1.9 مليار ليرة، بانخفاض يبلغ 38.4%.
يثير بند رسوم المطار ملاحظة إضافية، إذ كانت رسوم المطارات تبلغ 6.068 تريليون ليرة في 2026، لكنها لا تظهر بالاسم نفسه ضمن المقارنة الخاصة بعام 2027، ما يستدعي توضيح ما إذا كان البند قد أُلغي أو أُعيد تصنيفه أو أُدرج ضمن إيرادات أخرى.
تطرح طريقة احتساب الإيرادات كذلك إشكالية تتعلق بمدى دقة الأرقام المستخدمة كأساس للموازنة. فإيرادات عام 2025 ترد بصيغة الإيرادات المحصلة، بينما لا تزال مسألة الحسابات النهائية و«قطع الحساب» تشكل نقطة أساسية في تقييم مصداقية الأرقام المالية، فضلاً عن ارتباطها بالمسار الدستوري لإدارة المالية العامة.
أما أرقام عام 2026، فلا توضح بصورة كافية ما إذا كانت تمثل تقديرات أصلية أم تحصيلاً فعلياً، خصوصاً في ظل غياب نسبة التحصيل المحققة حتى منتصف العام. ويجعل هذا الأمر مقارنة التقديرات بين عامي 2026 و2027 أقل وضوحاً عند محاولة قياس الأداء الحقيقي للخزينة.
يؤكد التوازن بين الإيرادات والنفقات في مشروع الموازنة عدم تسجيل عجز دفتري، لكنه لا يضمن بالضرورة تحقيق التوازن عند التنفيذ. فالنتيجة النهائية ستتوقف على دقة تقديرات الإيرادات، وقدرة الإدارات المعنية على تحصيلها، ومدى الالتزام بالاعتمادات المرصودة خلال السنة المالية.
اقرأ أيضاً:دراسة مصرفية: 6 بنوك قد تصمد أمام استحقاقات الودائع
على جانب الإنفاق، تبلغ الرواتب والأجور والمنافع الاجتماعية نحو 329.2 تريليون ليرة، بما يعادل قرابة 3.679 مليارات دولار، وتستحوذ وحدها على 53.5% من إجمالي الموازنة. وتؤكد هذه النسبة استمرار الوزن المرتفع للإنفاق المرتبط بالموظفين والمتقاعدين والمنافع الاجتماعية ضمن المالية العامة.
كانت موازنة 2026 قد خصصت بدورها أكثر من 55% من الإنفاق للرواتب والمنافع الاجتماعية، ما يشير إلى استمرار الضغط الذي تمارسه كتلة الأجور والتقديمات على الموارد المتاحة أمام الدولة، رغم التغيرات التي طرأت على حجم الموازنة وتركيبة الإيرادات.
في يوليو 2026، أقر مجلس النواب اعتماداً إضافياً بقيمة 56.5 ألف مليار ليرة، أي نحو 631 مليون دولار، لتمويل ست رواتب إضافية للعاملين في القطاع العام والعسكريين والمتقاعدين، على أن يعود مفعولها إلى مارس. ويضيف هذا الاعتماد ضغطاً إضافياً على الإنفاق الجاري ويعكس استمرار الحاجة إلى معالجة بنيوية لملف الأجور والتعويضات.
تصل اعتمادات شراء الأصول الثابتة إلى 66.633 تريليون ليرة، أي نحو 745 مليون دولار، بما يمثل 10.8% من إجمالي النفقات. ويبلغ الإنفاق الجاري 548.311 تريليون ليرة، فيما تصل قيمة الأصول الثابتة الملموسة إلى 66.518 تريليون ليرة، مقابل 115.300 مليار ليرة للأصول المالية الثابتة.
تشير هذه الأرقام إلى أن الجزء الأكبر من الموارد يذهب إلى النفقات الجارية، بينما تبقى حصة الاستثمار في الأصول الثابتة محدودة مقارنة بحجم الإنفاق الإجمالي، ما يضعف قدرة الموازنة على توجيه موارد أكبر نحو مشاريع البنية التحتية والنمو الاقتصادي.
تستحوذ خمسة قطاعات رئيسية على نحو 67% من إجمالي الموازنة. يأتي قطاع الدفاع في المقدمة باعتمادات تبلغ 120.570 تريليون ليرة، أي نحو 1.35 مليار دولار، وبحصة تصل إلى 19.6% من إجمالي الإنفاق.
تليه النفقات المشتركة بقيمة تقارب 110.6 تريليون ليرة، بما يعادل نحو 1.24 مليار دولار، وحصة تبلغ 18%. ثم يأتي قطاع الداخلية والبلديات باعتمادات تصل إلى 64.876 تريليون ليرة، أي نحو 725 مليون دولار، وبنسبة 10.5%.
يبلغ الإنفاق على التربية والتعليم العالي نحو 64.537 تريليون ليرة، بما يعادل قرابة 721 مليون دولار، وبحصة 10.5%. أما الصحة العامة فتحصل على نحو 51.576 تريليون ليرة، أي قرابة 576 مليون دولار، وتمثل 8.4% من إجمالي الموازنة.
تكشف المقارنة بين القطاعات عن أولوية واضحة للإنفاق الأمني، إذ يقترب اعتماد الدفاع بالدولار من ضعف الاعتماد المخصص للصحة العامة. وتبرز هذه الفجوة في توزيع الموارد بين الوظائف الأمنية والاجتماعية للدولة، في وقت تواجه فيه الخدمات العامة ضغوطاً مالية متواصلة.
يرى خبراء اقتصاديون أن التحدي الأساسي لا يكمن في إعلان موازنة متوازنة حسابياً، بل في قدرة الدولة على تنفيذها وفق الافتراضات التي بُنيت عليها. فزيادة الإيرادات الضريبية، خصوصاً من الضرائب غير المباشرة والرسوم المحلية، تحتاج إلى نمو فعلي في النشاط الاقتصادي وتحسن في الجباية ومكافحة التهرب، وإلا فقد تظهر فجوة بين الإيرادات المقدرة وما يدخل فعلياً إلى الخزينة.
تلفت القراءة المالية إلى أن استمرار الاعتماد على الضرائب والرسوم الاستهلاكية لا يعالج بصورة كافية الاختلالات المزمنة في المالية العامة. كما أن انخفاض عدد من الإيرادات غير الضريبية والرسوم الإدارية يضعف تنوع مصادر التمويل، بينما تبقى الضرائب المباشرة أقل وزناً من الضرائب المرتبطة بالاستهلاك والتجارة.
يعتبر خبراء أن تراجع الاستثمار إلى ما دون 11% من إجمالي الإنفاق، مقابل تجاوز الرواتب والمنافع الاجتماعية نصف الموازنة، يعكس استمرار هيمنة الإنفاق الجاري على السياسة المالية. ويحد هذا التركيب من قدرة الدولة على استخدام الموازنة كأداة لتحفيز النمو ورفع الإنتاجية وتطوير البنية التحتية.
تظهر الصورة العامة لمشروع موازنة 2027 تركيزاً على استمرارية عمل الدولة وتمويل التزاماتها الحالية أكثر من إعادة هيكلة المالية العامة. فالتحسن المحاسبي الناتج عن مساواة الإيرادات بالنفقات لا يكفي وحده لمعالجة الاختلالات المتراكمة، ما لم يترافق مع إصلاح في تركيبة الإيرادات، وضبط أكثر فاعلية للنفقات، وزيادة حصة الاستثمار، وتعزيز الإيرادات المباشرة.
تبقى ملفات أساسية، بينها إعادة هيكلة القطاع المصرفي ومعالجة الدين العام وإصلاح منظومة الأجور والتعويضات، خارج صلب المعالجة الجذرية للموازنة. ومن دون خطوات أوسع على هذه المستويات، قد يبقى التوازن المعلن مرتبطاً بقدرة الخزينة على تحقيق توقعات التحصيل أكثر من كونه نتيجة لإصلاح مالي شامل ومستدام.