النفايات في سوريا.. عبء بيئي يطرق باب الاستثمار

2026.09.02 - 16:19
Facebook Share
طباعة

فرصة اقتصادية
تتجه سوريا نحو إعادة النظر في ملف النفايات، مع طرح رؤية تهدف إلى تحويلها من عبء خدمي وبيئي إلى مورد اقتصادي قادر على دعم التنمية المحلية، وتوفير فرص عمل، وإنتاج الطاقة والأسمدة، وتقليل الاعتماد على الاستيراد.
ويأتي هذا التوجه في وقت تسعى فيه الحكومة السورية إلى تحديث منظومة إدارة النفايات وإشراك القطاع الخاص، بالتوازي مع مراجعة التشريعات وتعزيز دور البلديات وفتح المجال أمام التمويل والاستثمار الأخضر.

اقرأ أيضاً: دعوة رسمية لتنظيم العمالة السورية وحماية العامل اللبناني


استثمار النفايات
تقوم الرؤية المقترحة على إنشاء منظومة متكاملة لمعالجة النفايات والكتلة الحيوية والمخلفات العضوية والزراعية والحيوانية، وصولاً إلى إنتاج مواد ذات قيمة اقتصادية.
وتشمل الخيارات المطروحة إعادة تدوير البلاستيك والزجاج والمعادن، وإنتاج الأسمدة العضوية من المخلفات، إضافة إلى استخراج الغاز الحيوي واستخدامه في توليد الكهرباء والطاقة الحرارية، إلى جانب إنتاج وقود بديل يمكن استخدامه في مصانع الإسمنت.
ويُطرح نموذج «المناجم الحضرية» كأحد المسارات التي يمكن أن تتيح استعادة المواد القابلة لإعادة الاستخدام وتقليل الطمر والحرق.

اقرأ أيضاً: 20 عاماً من الجمع تنتهي بإعادة ذاكرة درعا


طاقة وأسمدة
وتكتسب المخلفات العضوية أهمية خاصة في هذا النموذج، إذ يمكن معالجتها بتقنيات من بينها الهضم اللاهوائي لإنتاج الغاز الحيوي والأسمدة العضوية.
ومن شأن هذه المنتجات دعم القطاع الزراعي، وتحسين خصوبة التربة، وخفض تكاليف الإنتاج، وتقليل الحاجة إلى استيراد الأسمدة، بما يخفف الضغط على النقد الأجنبي ويدعم الأمن الغذائي.
كما يمكن لمشروعات إدارة النفايات أن تفتح المجال أمام الاستفادة من أسواق الكربون والتمويل المناخي، عبر خفض انبعاثات الميثان وثاني أكسيد الكربون الناتجة عن طمر النفايات أو حرقها.

اقرأ أيضاً: أبرز الأحداث الأمنية في سوريا بتاريخ 1-9-2026


تشريعات جديدة
وتعمل وزارة الإدارة المحلية والبيئة على تحديث قانون النظافة رقم 49 لعام 2004، بما يتوافق مع مفاهيم الاقتصاد الدائري، ويعزز مبدأ «المسؤولية الممتدة للمنتج»، ويفتح المجال أمام شراكات طويلة الأمد بين البلديات والقطاع الخاص.
وتتضمن الخطة تعزيز اللامركزية ومنح المجالس المحلية صلاحيات وأدوات تمويل أوسع، بما يسمح لها بتطوير حلول تتناسب مع احتياجات كل منطقة.
كما تتجه الحكومة إلى تعديل قانون الإدارة المحلية بما يتيح للبلديات إبرام شراكات مباشرة مع القطاع الخاص في مشروعات إدارة النفايات.


استثمارات خارجية
وتبرز الشراكات الاستثمارية كأحد محاور الخطة، مع تعاون حكومي مع شركات إماراتية متخصصة في إدارة وتدوير النفايات.
وفي هذا الإطار، يُطرح مشروع تنفذه محافظة دمشق مع شركة استثمارية إماراتية بقيمة 300 مليون دولار، باعتباره نموذجاً يمكن الاستفادة منه وتوسيع نطاقه ليشمل محافظات أخرى.
وتسعى الحكومة كذلك إلى الاستفادة من التمويل الدولي، من خلال مواءمة التشريعات الوطنية مع الاتفاقيات البيئية، وإعداد مشروعات مؤهلة للحصول على تمويل من المؤسسات والصناديق المعنية بالمناخ.


أزمة متراكمة
لكن الانتقال إلى الاقتصاد الدائري يصطدم بواقع خدمي متراكم، إذ تعاني منظومة جمع النفايات من ضعف التجهيزات، والفرز العشوائي، وانتشار المكبات غير المنظمة، ومحدودية عمليات إعادة التدوير.
وتتفاقم المشكلة مع عمليات البحث العشوائي عن المواد القابلة للبيع داخل أكوام النفايات، فيما لا تزال عمليات الفرز خارج المدن تعتمد بدرجة كبيرة على وسائل بدائية.
ويرى خبراء أن سوريا تمتلك مقومات تطوير قطاع اقتصادي للنفايات، لكن نجاح ذلك يتطلب استثمارات كبيرة، وتشريعات واضحة، وإدارة فعالة، إلى جانب إشراك المجتمعات المحلية والعاملين في جمع المواد القابلة للتدوير ضمن منظومة رسمية وآمنة.


المناطق العشوائية
وتولي الخطط الحكومية اهتماماً خاصاً بالمناطق غير المنظمة، التي تعاني تفاوتاً في مستوى الخدمات بسبب نشأتها خارج الأطر التنظيمية.
وتعمل الوزارة على إعداد مسح شامل لهذه المناطق، يتضمن تحديد أعداد السكان وكميات النفايات ومسارات تقديم الخدمات، بالتوازي مع توحيد قواعد البيانات وأتمتة السجلات.
وتقترح الخطة إخراج المناطق العشوائية من حالة الفراغ القانوني، وضمان حق سكانها في الحصول على خدمات النظافة، مع تمكين البلديات من تصميم حلول تتناسب مع طبيعتها واستقطاب الاستثمارات الخاصة إليها.


فرص خضراء
ولا تقتصر الرؤية على الجانب البيئي، إذ يمكن لقطاع إدارة النفايات أن يتحول إلى مصدر لآلاف فرص العمل الخضراء، مع دمج العاملين في جمع المواد القابلة لإعادة التدوير ضمن منظومة رسمية تحمي حقوقهم وسلامتهم.
كما تفتح الشراكات بين البلديات والمجتمع المدني المجال أمام تشكيل فرق نظافة مجتمعية، بما يعزز المشاركة المحلية ويقرب الخدمات من السكان.


اختبار التنفيذ
تضع سوريا اليوم تصوراً لنقل النفايات من خانة التكلفة إلى خانة الاستثمار، لكن نجاح التحول سيبقى مرتبطاً بقدرة الدولة على توفير التمويل، وتحديث التشريعات، وتمكين البلديات، وجذب القطاع الخاص، وبناء منظومة حديثة للفرز والمعالجة.
وبين وفرة المخلفات وتراكم الأزمة، تبدو الفرصة الاقتصادية قائمة، إلا أن تحويل النفايات إلى طاقة وأسمدة ومواد قابلة للتسويق يتطلب انتقالاً فعلياً من الخطط والتشريعات إلى مشروعات قابلة للتنفيذ على الأرض.
 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 2 + 5

اقرأ أيضاً