20 عاماً من الجمع تنتهي بإعادة ذاكرة درعا

نغم شديد - درعا - وكالة أنباء آسيا

2026.09.02 - 14:07
Facebook Share
طباعة

بعد نحو عقدين أمضاهما في جمع مقتنيات أثرية وتاريخية والحفاظ عليها، قرر المواطن السوري بهاء إبراهيم المصري، من أهالي قرية حيط بريف درعا الغربي، تسليم مجموعته إلى دائرة آثار درعا، في مبادرة أعادت إلى الواجهة دور الأفراد في حماية التراث السوري، ولا سيما خلال سنوات الحرب التي شهدت عمليات تهريب ونهب واسعة للقطع الأثرية.

اقرأ أيضاً:يورانيوم ومفاعل سري.. تفاصيل جديدة عن برنامج الأسد النووي

 

وسلّم المصري مجموعته خلال مراسم أقيمت في متحف درعا الوطني، بحضور رسمي تقدمه المدير العام للآثار والمتاحف مسعود بدوي، لتنتقل القطع التي احتفظ بها لسنوات من إطار الحيازة الشخصية إلى عهدة المؤسسة المختصة بحماية التراث.

 

عقدان في جمع القطع وحمايتها

 

بحسب المعطيات المتداولة حول المبادرة، أمضى المصري نحو 20 عامًا في جمع المقتنيات الأثرية والتاريخية على نفقته الخاصة، مع تركيز أكبر على إنقاذ القطع خلال سنوات الحرب والأزمة السورية.

 

ويقول صاحب المبادرة إن الهدف من الاحتفاظ بهذه المقتنيات كان حمايتها من خطر الضياع أو التهريب إلى خارج البلاد، في وقت تعرضت فيه المواقع الأثرية والمتاحف والمجموعات الخاصة لمخاطر متزايدة نتيجة تراجع الرقابة وانتشار شبكات الاتجار غير المشروع بالآثار.

 

وتشير الرواية المتداولة إلى أن المجموعة تضم آلاف القطع والمقتنيات، غير أن الأرقام المنشورة بشأن حجمها تختلف بين الإشارة إلى نحو 5 آلاف قطعة في تفاصيل المبادرة، والحديث عن 7 آلاف قطعة في بعض العناوين، وهو رقم يحتاج إلى تثبيت رسمي من الجهات الأثرية بعد جرد المجموعة وتوثيقها.

 

وبعيدًا عن الرقم النهائي، فإن أهمية المجموعة لا ترتبط بحجمها فقط، وإنما بتنوعها التاريخي والمادي، وبكونها جُمعت على مدى سنوات طويلة من مناطق ومراحل تاريخية مختلفة.

 

من العصور القديمة إلى العثمانية

 

تضم المجموعة، وفق المعلومات المتاحة، قطعًا تعود إلى فترات زمنية متباعدة، تبدأ من عصور قديمة وصولًا إلى الحقبتين الإسلامية والعثمانية.

اقرأ أيضاً:مهام خاصة أو دمج كامل.. مصير مقاتلات قسد

وتشمل المقتنيات أواني فخارية وزجاجية ونحاسية، إضافة إلى سُرج وأدوات ومقتنيات شخصية، إلى جانب أسلحة قديمة، بينها أنواع من الخناجر، وخرز وأحجار وتمائم.

 

كما تحتوي المجموعة على منحوتات حجرية تحمل نقوشًا، فضلًا عن مجموعة من العملات الفضية والبرونزية التي يمكن أن تشكل مادة مهمة للبحث في التاريخ الاقتصادي والاجتماعي للمناطق التي جاءت منها.

 

ومن بين المقتنيات أيضًا عملات سورية نادرة تعود إلى مطلع القرن العشرين، من بينها قطع مؤرخة بعام 1900، ما يضيف إلى المجموعة جانبًا يتصل بتاريخ النقد وتطور الحياة الاقتصادية في سوريا خلال تلك المرحلة.

 

أهمية أكبر في زمن الحرب

 

تكتسب المبادرة أهمية إضافية بالنظر إلى الظروف التي مرت بها سوريا خلال السنوات الماضية، إذ تعرضت مواقع أثرية ومجموعات خاصة لعمليات نهب واتجار غير مشروع، بينما خرجت قطع أثرية من البلاد عبر قنوات تهريب مختلفة.

 

وفي هذا السياق، يمكن أن يمثل تسليم المجموعات الخاصة إلى الجهات الأثرية خطوة مهمة في نقلها من الحيازة الفردية إلى إطار مؤسسي يتيح جردها وتوثيقها ودراستها، وصولًا إلى تحديد أصولها وقيمتها التاريخية والأثرية وفق المعايير المتخصصة.

 

ولا يعني ذلك أن كل قطعة ضمن أي مجموعة خاصة تثبت تلقائيًا قيمتها الأثرية أو تعود بالضرورة إلى الموقع الذي يُنسب إليها، إذ تبقى عملية التوثيق والفحص العلمي والجرد الرسمي ضرورية لتحديد تاريخ القطع ومصدرها وحالتها القانونية والأثرية.

 

ومن هنا، فإن الخطوة التالية بعد التسليم لا تقل أهمية عن المبادرة نفسها، وتتمثل في إخضاع المجموعة لعمليات التسجيل والتوثيق والترميم عند الحاجة، ودراسة القطع وتحديد ما يمكن عرضه منها أمام الجمهور.

 

من مقتنيات شخصية إلى ذاكرة عامة

 

حظيت مبادرة المصري بتفاعل واسع على منصات التواصل الاجتماعي، حيث رأى متابعون فيها نموذجًا للمسؤولية الفردية تجاه التراث، وأشادوا بقرار تسليم المجموعة إلى الجهات المختصة بعد سنوات من الاحتفاظ بها.

 

وأطلقت تعليقات على مواقع التواصل أوصافًا عدة على المصري، من بينها «ابن حوران البار» و«حارس الذاكرة وتاريخ الأرض»، في تعبير عن التقدير الشعبي للمبادرة.

 

لكن القيمة الأوسع للقصة تتجاوز الشخص نفسه، لأنها تطرح مسألة العلاقة بين المجتمع والتراث، ودور المواطنين في حماية القطع التاريخية عندما تكون المؤسسات الرسمية غير قادرة، في ظروف استثنائية، على الوصول إلى كل المواقع والمجموعات.

 

ويظل هذا الدور مرتبطًا بضرورة أن تكون عملية تسليم القطع وجردها وتوثيقها واضحة وشفافة، بما يحفظ حقوق الدولة ويحمي المقتنيات من الضياع، وفي الوقت نفسه يوفر مسارًا قانونيًا واضحًا أمام الأفراد الذين يمتلكون قطعًا تاريخية ويرغبون في تسليمها للجهات المختصة.

 

خطوة صغيرة أمام ملف واسع

 

في بلد يمتلك إرثًا حضاريًا يمتد عبر آلاف السنين، لا تمثل مجموعة واحدة نهاية لملف حماية الآثار، لكنها تكشف حجم ما يمكن إنقاذه عندما تتقاطع المبادرات الفردية مع العمل المؤسسي.

 

وتحولت مقتنيات احتفظ بها المصري في إطار شخصي طوال نحو 20 عامًا إلى جزء من مجموعة باتت في عهدة متحف درعا، في انتظار استكمال إجراءات الجرد والتوثيق وتحديد القيمة الأثرية لكل قطعة.

 

وبالنسبة إلى درعا، التي تمتلك مواقع وآثارًا تعكس تعاقب حضارات وفترات تاريخية متعددة، فإن استعادة مثل هذه المقتنيات لا تحمل قيمة مادية فحسب، بل تساهم في إعادة بناء سجل ثقافي تعرض خلال سنوات الحرب للتشظي والتهديد.

 

وفي النهاية، قد لا تكون أهمية القصة في عدد القطع التي وصلت إلى المتحف بقدر ما تكمن في المسار الذي سلكته: مواطن جمع وحافظ، ومؤسسة استلمت، وتراث انتقل من مساحة خاصة إلى ذاكرة عامة يمكن توثيقها ودراستها وحمايتها للأجيال المقبلة. 

 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 1 + 10