روك سبرينغز.. مذبحة عنصرية انتهت بحرق عشرات المنازل

2026.09.02 - 10:27
Facebook Share
طباعة

في 2 سبتمبر 1885، شهدت مدينة روك سبرينغز بولاية وايومنغ واحدة من أكثر حلقات العنف العنصري دموية ضد المهاجرين الصينيين في الولايات المتحدة خلال القرن التاسع عشر. بدأت المواجهة داخل أحد مناجم الفحم على خلفية نزاع عمالي، قبل أن تتحول خلال ساعات إلى هجوم جماعي انتهى بمقتل عشرات الصينيين وإحراق منازلهم ودفع الناجين إلى الفرار من المدينة.

 

توتر عرقي بسبب الأجور

تُعرف الواقعة باسم مذبحة روك سبرينغز، ويصفها مؤرخون معاصرون بأنها من أسوأ وأكبر حوادث العنف التي استهدفت الصينيين في الولايات المتحدة خلال ذلك القرن. شارك في الهجوم عمال مناجم بيض، وسط أجواء مشحونة بالتوترات العرقية والمنافسة على فرص العمل والأجور.

 

ارتبط جانب أساسي من أسباب التوتر بسياسات شركة يونيون باسيفيك لإدارة الفحم. حصل العمال الصينيون على أجور أقل من نظرائهم البيض، الأمر الذي مكّن الشركة من خفض تكاليف الإنتاج وجعل توظيف العمال الصينيين أكثر جاذبية بالنسبة إليها. في المقابل، اعتبر عمال المناجم البيض أن انخفاض أجور الصينيين يضغط على أجورهم ويحد من قدرتهم على تحسين ظروف عملهم.

 

اقرأ أيضاً:انفجار ضخم يهز محطة قطارات آوغسبورغ الألمانية

 

 

بلغ عدد الصينيين العاملين في المناجم، بحلول سبتمبر 1885، ضعف عدد العمال البيض تقريبًا. ترسخ لدى العمال البيض اعتقاد بأن أجورهم لم ترتفع بسبب استعداد العمال الصينيين للعمل مقابل مبالغ أقل، ما غذّى مشاعر العداء تجاههم.

اقرأ أيضاً:إسبانيا تتهم إسرائيل وروسيا باستغلال أزمة الهجرة بسبتة

 


نقابة عمالية في قلب التوتر

تأسس عام 1883 فرع من منظمة «فرسان العمل» في روك سبرينغز، وهي نقابة كانت مفتوحة رسميًا أمام مختلف الأعراق، لكنها لم تكن عمليًا تمثل سوى مصالح العمال البيض. انتمى عدد من المشاركين في أعمال الشغب إلى المنظمة، إلا أن أي علاقة مباشرة بين المذبحة والتنظيم الوطني لفرسان العمل لم تثبت.

 

سبق وصول العمال الصينيين إلى المناجم تغيرٌ في تركيبة قوة العمل. حتى عام 1875، كان البيض يشكلون القوة العاملة في المناجم، لكن إضرابًا عماليًا دفع شركة الفحم إلى استقدام عمال صينيين لكسر الإضراب. أُسندت إليهم أعمال في أكثر طبقات الفحم غنى، الأمر الذي زاد من حدة التنافس بينهم وبين العمال البيض.

شرارة المواجهة داخل المنجم

 

بدأت الشرارة الأولى للمذبحة صباح 2 سبتمبر، عندما وصل عشرة عمال بيض إلى منجم الفحم رقم 6 قرابة الساعة السابعة. طالب هؤلاء العمال زملاءهم الصينيين بالتوقف عن العمل في أحد أكثر أقسام المنجم إنتاجًا، حيث كانت كمية الفحم المستخرجة أكبر.

كان دخل عمال المناجم مرتبطًا بكمية الفحم التي ينتجونها، ما جعل النزاع على مواقع العمل أكثر حساسية. اندلع شجار داخل المنجم، تعرض خلاله عاملان صينيان للضرب المبرح، قبل أن يغادر العمال البيض المكان.

 

من شجار عمالي إلى هجوم جماعي

لم يتوقف التصعيد عند حدود المنجم، إذ بدأت أعداد كبيرة من العمال البيض بالتجمع قرب البلدة. تحركت المجموعة باتجاه روك سبرينغز بمحاذاة خط السكة الحديدية، وكان عدد من المشاركين يحملون أسلحة نارية.

 

قرابة الساعة العاشرة صباحًا، دُق جرس اجتماع «فرسان العمل»، فانضم العمال الموجودون داخل المبنى إلى المجموعة المتجهة نحو الحي الصيني.

ساعات من العنف والحرق

 

بلغت أعمال الشغب ذروتها قرابة الساعة الثالثة والنصف بعد الظهر. تجمعت نساء من روك سبرينغز بالقرب من الجسر الخشبي، وهتفن للمهاجمين، فيما أطلقت اثنتان منهن النار باتجاه الصينيين.

اختبأ عدد من عمال المناجم الصينيين في التلال وبين الشجيرات مع استمرار الهجوم حتى حلول الليل. بين الساعة الرابعة والتاسعة مساءً، أضرم مثيرو الشغب النار في المنازل التابعة لشركة الفحم، قبل أن تمتد النيران إلى مساكن الصينيين.

 

دُمّر 79 منزلًا بصورة كاملة بحلول الساعة التاسعة مساءً، بعدما تحولت مساكن العمال الصينيين إلى هدف مباشر للهجوم.

قتلى خلال محاولات الفرار

 

لقي صينيون آخرون حتفهم على ضفاف نهر بيتر كريك أثناء محاولتهم الفرار من الحي الصيني. ألقى مهاجمون جثث بعض القتلى في المباني المشتعلة، فيما قُتل آخرون ثم أُحرقت جثثهم.

تعرض أشخاص لم يتمكنوا من الفرار، وبينهم مرضى، للقتل والحرق داخل منازلهم، وفق الروايات الواردة عن المذبحة.

 

28 قتيلًا و15 مصابًا

أظهرت التقارير الرسمية مقتل 28 صينيًا وإصابة 15 آخرين خلال المذبحة، بينما رجحت تقديرات أن يكون العدد الحقيقي للقتلى أعلى بكثير، وربما ضعف الرقم الرسمي، بسبب صعوبة حصر من أُحرقوا أحياء أو أُلقي بهم في النهر.

 

قُدّرت الخسائر المادية التي لحقت بالسكان الصينيين بنحو 147 ألف دولار، نتيجة إحراق المنازل وتدمير الممتلكات.

فرار الناجين وانتشار القوات

 

فر الناجون من روك سبرينغز باتجاه مدينة إيفانستون، الواقعة على مسافة تقارب 150 كيلومترًا، بحثًا عن الأمان بعد تدمير مساكنهم.

نشرت السلطات قوات فيدرالية في كل من روك سبرينغز وإيفانستون يوم 5 سبتمبر، في محاولة لاحتواء تداعيات الهجوم ومنع تجدد العنف.

 

لا محاسبة على المذبحة

اعتقلت السلطات 16 شخصًا للاشتباه في تنظيمهم أعمال الشغب، لكن التحقيقات لم تنتهِ إلى إدانة أي منهم، بعدما تعذر العثور على شهود يقدمون أدلة كافية ضدهم.

 

أُطلق سراح جميع المعتقلين بعد شهر، ولم يخضع أي شخص للمحاسبة الجنائية عن المذبحة. اقتصر الإجراء العقابي داخل شركة الفحم على فصل 45 عامل منجم أبيض ثبتت مشاركتهم في الأحداث.

المذبحة تهدد العلاقات مع الصين

 

أثرت أحداث روك سبرينغز على العلاقات بين الولايات المتحدة والصين، إذ أثارت المذبحة غضبًا واسعًا لدى السلطات الصينية. هدد حاكم مقاطعة غوانغدونغ باتخاذ إجراءات انتقامية ضد المبشرين والدبلوماسيين والتجار الأمريكيين الموجودين في المنطقة.

دخلت الحكومة الفيدرالية الأمريكية لاحقًا في نقاشات بشأن تعويض الضحايا، لكنها رفضت الاعتراف بالمسؤولية أو الذنب. حذّر السفير الأمريكي لدى الصين تشارلز دينبي وزير الخارجية توماس بايرد من أن استمرار تأخير التعويضات يمكن أن يضر بالتجارة مع الصين.

 

دفعت الحكومة الأمريكية في نهاية المطاف مبلغ 147,478 دولارًا للصينيين المقيمين في روك سبرينغز، في خطوة هدفت إلى معالجة الخسائر المادية التي خلفتها المذبحة، دون أن تشكل اعترافًا رسميًا بالمسؤولية عن أحداثها.

فصل من تاريخ التمييز ضد الصينيين

 

انضمت مذبحة روك سبرينغز إلى سلسلة طويلة من أعمال العنف والتمييز التي تعرض لها الصينيون في غرب الولايات المتحدة خلال تلك المرحلة. امتد المناخ المعادي للمهاجرين الصينيين إلى مدن أخرى، من بينها تاكوما وواشنطن، حيث تعرض السكان الصينيون لاحقًا لعمليات طرد وهجمات خلال العام نفسه.

 

عكست المذبحة طبيعة التحيز العنصري الذي ساد تجاه الصينيين في الولايات المتحدة آنذاك، في وقت استُخدمت فيه المنافسة على الوظائف والأجور لتغذية العداء ضد المهاجرين.

جاءت تلك الأحداث بعد صدور قانون استبعاد الصينيين عام 1882، الذي مثّل أول قانون اتحادي رئيسي يفرض قيودًا واسعة على الهجرة إلى الولايات المتحدة.

 

ذاكرة مذبحة بلا محاسبة

بقيت روك سبرينغز في الذاكرة التاريخية مثالًا على تحول النزاعات الاقتصادية والعمالية، حين تختلط بالعنصرية والتحريض، إلى عنف جماعي يستهدف جماعة عرقية بأكملها.

 

كشفت الواقعة كذلك عن محدودية حماية الضحايا في تلك الحقبة؛ فقد سقط عشرات القتلى، ودُمرت عشرات المنازل، وفر الناجون من مدينتهم، بينما انتهت الإجراءات القضائية دون إدانة المشاركين في واحدة من أكثر الهجمات دموية ضد الصينيين في تاريخ الولايات المتحدة.


 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 7 + 9

اقرأ أيضاً