ما بعد الرحيل
مع اقتراب انتهاء مهمة قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان «اليونيفيل»، يتجاوز السؤال مرحلة بقاء القوات الدولية أو انسحابها إلى ملف أكثر تعقيداً: ماذا سيحدث لعشرات المواقع التي شغلتها، وللمعدات والمنشآت والخرائط والمعلومات التي تراكمت خلال عقود من العمل في الجنوب؟
قد يبدو المشهد للوهلة الأولى بسيطاً؛ تنسحب اليونيفيل وتتسلم الدولة اللبنانية مواقعها. لكن التجارب السابقة لبعثات الأمم المتحدة تكشف أن عملية الانتقال أكثر تعقيداً، إذ تختلف ملكية الأراضي والأبنية والمعدات والأنظمة التقنية والوثائق، ولكل فئة منها مسار قانوني ولوجستي مختلف.
اقرأ أيضاً: مدارس لبنان بين النازحين وموعد العودة إلى التعليم
ملكيات متداخلة
فالأرض التي يقع عليها مركز تابع لليونيفيل قد تكون مملوكة للدولة اللبنانية أو لبلدية أو لجهة خاصة، بينما قد تعود الأبنية والتجهيزات إلى الأمم المتحدة أو إلى الدولة التي أنشأتها.
أما المدرعات والشاحنات والمركبات والأسلحة وأجهزة الاتصال والمستشفيات الميدانية، فتندرج في جزء كبير منها ضمن المعدات المملوكة للوحدات، أي إنها تبقى ملكاً للدول المشاركة، وتعود إليها عند انتهاء مهمة قواتها.
وبالتالي، لا تتحول كل الموجودات الموجودة داخل مراكز اليونيفيل إلى ملك الجيش اللبناني تلقائياً. فأي آلية أو معدة يراد تسليمها تحتاج إلى قرار رسمي بالنقل أو الهبة.
وقد شهد لبنان نموذجاً على ذلك في عام 2021، عندما سلمت الكتيبة الكورية 10 ناقلات جند مدرعة إلى الجيش اللبناني في عملية معلنة ومحددة، ما يؤكد أن انتقال المعدات يحتاج إلى ترتيبات مستقلة عن مجرد انسحاب القوات.
ماذا سيبقى للبنان؟
أما المعدات التي تملكها الأمم المتحدة، مثل السيارات المدنية والمكاتب الجاهزة والمولدات وأنظمة المياه والصرف الصحي والتجهيزات اللوجستية، فتخضع لآلية مختلفة.
وتحاول المنظمة عادة نقل المعدات القابلة للاستخدام إلى بعثات أخرى أو إلى مخازنها اللوجستية، ثم عرض الفائض على وكالات أممية ومنظمات وجهات محلية، قبل اللجوء إلى البيع أو المنح للدولة المضيفة.
وتشير تجارب سابقة إلى أن لبنان قد يحصل على جزء من المنشآت الثابتة، خصوصاً الطرق الداخلية والتحصينات وشبكات المياه والطاقة والمستودعات وبعض الأبنية الجاهزة.
لكن ذلك لا يعني بالضرورة بقاء الآليات أو أجهزة الاتصالات والمراقبة، ولا سيما المعدات التي تعود ملكيتها إلى الدول المشاركة.
لبنان بدأ فعلياً
وتشير التطورات داخل لبنان إلى أن عملية التسليم بدأت قبل انتهاء المهمة رسمياً.
ففي أيار 2021، سلّمت اليونيفيل الموقع «2-45A» الواقع جنوب بلدة عيتا الشعب إلى الجيش اللبناني، بعدما استخدمته منذ عام 2012.
وفي 20 آب 2026، سُلّم موقع الخردلي-الليطاني إلى اللواء السابع، في خطوة تعكس بدء نقل بعض المواقع ضمن ترتيبات المرحلة المقبلة.
لكن هذه الخطوات تفتح سؤالاً أكبر: هل أعدت الدولة اللبنانية خريطة شاملة لكل مواقع اليونيفيل، وحددت ملكية كل عقار ومحتويات كل مركز وكلفة تشغيله والجهة العسكرية التي ستتولى مسؤوليته؟
كلفة التشغيل
المشكلة لا تتعلق بالمباني وحدها.
فكل مركز يحتاج إلى عناصر للحماية، وآليات ووقود واتصالات وكهرباء ومياه وصيانة، ما يعني أن تسلّم المواقع من دون توفير الموارد اللازمة لتشغيلها قد يحولها إلى عبء إضافي على الجيش اللبناني.
ويزداد التحدي في مناطق تضررت فيها البنية التحتية خلال السنوات الماضية، إذ قد تحتاج بعض المنشآت إلى إعادة تأهيل قبل أن تصبح صالحة للاستخدام العسكري أو المدني.
وبذلك، فإن قيمة الموقع لا تقاس فقط بسعر المبنى أو التجهيزات الموجودة داخله، وإنما بقدرة الجهة التي ستتسلمه على تشغيله والمحافظة عليه.
المعركة على الذاكرة
لكن الجزء الأكثر حساسية من تركة اليونيفيل قد لا يكون مادياً على الإطلاق.
فعلى مدى عقود، راكمت القوة الدولية سجلات الدوريات والبلاغات والخروقات والصور والإحداثيات والخرائط والمعلومات المتعلقة بالألغام والعلامات المرتبطة بالخط الأزرق والحوادث الأمنية.
غير أن هذه البيانات لا تنتقل تلقائياً إلى الجيش اللبناني مع تسليمه المواقع.
فالوثائق الأممية تخضع لأنظمة حفظ خاصة، بينما تعود أجهزة الاتصال المشفرة وبعض قواعد البيانات والأنظمة التقنية إلى الدول التي تملكها.
وهذا يعني أن مغادرة القوات الدولية قد تترك خلفها مباني ومنشآت، لكن ليس بالضرورة كامل «الذاكرة التشغيلية» التي تراكمت داخلها.
ملف الخرائط
من هنا، يبرز احتياج لبنان إلى اتفاق مستقل يحدد آلية نقل المعلومات التي يحتاج إليها الجيش، خصوصاً الخرائط الفنية وسجلات الألغام والعلامات الحدودية وتقارير الحوادث والبيانات اللازمة لاستمرار العمل الميداني.
فامتلاك المبنى وحده لا يعوض غياب المعلومات التي تسمح بدمجه ضمن شبكة مراقبة متكاملة.
وهنا تحديداً تكمن إحدى أكثر القضايا حساسية في مرحلة ما بعد اليونيفيل: كيف يمكن الحفاظ على المعلومات الضرورية للأمن والاستقرار، من دون المساس بالبيانات التي تصنفها الأمم المتحدة أو الدول المشاركة ضمن المعلومات الحساسة؟
خطر الفراغ
وتزداد المخاطر في المواقع القريبة من مناطق التوتر أو تلك التي يصعب الوصول إليها.
فإذا انسحبت اليونيفيل من موقع قبل أن تكون الجهة اللبنانية البديلة جاهزة لاستلامه، فقد ينشأ فراغ أمني، خصوصاً في المناطق القريبة من نقاط الاحتلال أو خطوط التماس.
وتشير تجارب بعثات دولية سابقة إلى أن سرعة التسليم والحماية المباشرة للمواقع عاملان حاسمان لمنع تعرض المنشآت للنهب أو التخريب أو فقدان تجهيزاتها.
وفي الحالة اللبنانية، لا يقتصر الخطر على الأضرار أو السرقة، بل يرتبط أيضاً بالوضع الأمني المتقلب في الجنوب واحتمال تعرض بعض المواقع لأعمال عسكرية.
الجرد قبل الانسحاب
لذلك، لا يفترض أن ينتظر لبنان الأسابيع الأخيرة من المهمة لإدارة ملف التركة.
المطلوب جرد شامل يفصل بين ملكية الأراضي والأبنية، وبين ممتلكات الأمم المتحدة ومعدات الدول المشاركة، مع تحديد ما سيعاد إلى الخارج، وما يمكن الحصول عليه كهبة أو شراء، وما ينبغي تسليمه إلى الجيش.
كما يمكن للبنان التفاوض مع الدول المشاركة للاحتفاظ بجزء من المعدات، خصوصاً ناقلات الجند والشاحنات والمولدات والمنشآت الطبية وبعض أنظمة المراقبة غير الحساسة.
وفي موازاة ذلك، يبرز خيار إنشاء برنامج دولي لتمويل تشغيل المواقع التي سيتسلمها الجيش، بما يمنع تحول المنشآت الجديدة إلى عبء مالي على المؤسسة العسكرية.
تركة بملايين الدولارات
عند هذه النقطة، تبدو نهاية مهمة اليونيفيل أكبر من مجرد عملية انسحاب عسكري.
فالمطروح هو مصير شبكة من المواقع والمنشآت والمعدات التي راكمت قيمتها على مدى سنوات، إلى جانب أرشيف ميداني تشكل خلال عقود من الوجود الدولي في الجنوب.
وتحدد طريقة إدارة هذه التركة جانباً مهماً من شكل المرحلة المقبلة.
فإذا جرى التسليم ضمن خطة واضحة، مدعومة بالتمويل والكوادر والمعدات والمعلومات الضرورية، يمكن أن تتحول مواقع اليونيفيل إلى رصيد للدولة اللبنانية.
أما إذا غابت الخطة، فقد ينتهي الأمر بمبانٍ فارغة، ومعدات عادت إلى أصحابها، ومعلومات حساسة غادرت مع آخر الوحدات الدولية.
من يرث الجنوب؟
مع اقتراب لحظة الرحيل، لا يختصر السؤال في هوية القوة التي سترفع علمها فوق المواقع الدولية.
السؤال الأهم هو: هل سيرث لبنان مواقع اليونيفيل فقط، أم سيرث أيضاً القدرة على تشغيلها والاستفادة من بنيتها ومعلوماتها؟
وعندما يغادر آخر جندي دولي، ستكون الإجابة مرتبطة بما إذا كانت عملية الانتقال قد أُعدت باعتبارها تسليماً منظماً لـ«تركة استراتيجية»، أم مجرد إخلاء لمواقع عسكرية.
فالفارق بين الحالتين قد يحدد شكل الأمن في جنوب لبنان لسنوات مقبلة.