من خزائن تحت الأرض إلى صحراء سوريا.. أين خبأ داعش أمواله؟

أماني الاحمد - حمص - وكالة أنباء آسيا

2026.09.01 - 11:34
Facebook Share
طباعة

ثروة تحت الأرض
لم ينتهِ كل ما تركه تنظيم داعش خلفه مع سقوط مناطق سيطرته في سوريا والعراق. فخلف المدن التي فقدها والطرق التي انسحب منها، يبدو أن جزءاً من ثروته لا يزال مختبئاً تحت الأرض، داخل خزائن إسمنتية ومخابئ سرية ودفائن متناثرة في مناطق صحراوية وريفية.
وبحسب تحقيق استقصائي غربي استند إلى أكثر من 200 وثيقة مالية وأمنية داخلية للتنظيم، إلى جانب مقابلات مع أعضاء سابقين وخبراء ومصادر أمنية، فإن إخفاء الأموال لم يكن تصرفاً فردياً أو عشوائياً، بل جزءاً من خطة مالية هدفت إلى الحفاظ على احتياطات نقدية وذهب يمكن استعادتها لاحقاً.

اقرأ أيضاً: أبرز الأحداث الأمنية في سوريا بتاريخ 31-8-2026


«ادفنوا المال»
تكشف وثائق داخلية أن قيادة التنظيم أصدرت تعليمات بتوزيع الأموال والذهب على مواقع متعددة، مع تجنب ترك الاحتياطي المالي في مكان واحد، تحسباً لسقوط المناطق أو مقتل القادة والمسؤولين الماليين.
وفي مايو/أيار 2021، وجّه مسؤول بارز في التنظيم تعليمات إلى القادة والأمراء بتوزيع الأموال الموجودة لديهم على «عدة أماكن آمنة»، على أن يتم استخراجها عند الحاجة.
ولم تكن التعليمات تقتصر على إخفاء الأموال في حفر بدائية؛ إذ تشير الوثائق إلى إنشاء منشآت مالية تحت الأرض، بعضها عبارة عن غرف إسمنتية بأسقف خرسانية وجدران مصممة للحد من تسرب المياه، إضافة إلى أنابيب تهوية تساعد على تقليل الرطوبة وحماية الأموال والمعادن الثمينة لفترات طويلة.

اقرأ أيضاً: تصعيد جديد في السويداء.. إصابات في صفوف الأمن السوري


بنك سري
يرسم التحقيق صورة لمنظومة مالية متعددة المستويات، تبدأ بمنشآت مركزية لحفظ الكميات الأكبر من الأموال، ثم تنتقل إلى مخابئ أصغر مرتبطة بوحدات التنظيم ومناطقه المختلفة.
وتنوعت أماكن الإخفاء بين منازل ومزارع وخزائن معدنية مدفونة ومواقع نائية في الصحراء، بما يجعل العثور عليها عملية شديدة التعقيد، خصوصاً مع تغير السيطرة على المناطق ومرور سنوات على إنشاء تلك المخابئ.
وخلال أكثر من 20 شهراً من العمل، وثق التحقيق تسع عمليات كبيرة عُثر خلالها على أموال وذهب ومعادن ثمينة مرتبطة بالتنظيم في سوريا والعراق، بلغت قيمة ما أمكن التحقق من استعادته 47 مليون دولار على الأقل.


من دير الزور إلى الأنبار
تتركز نسبة كبيرة من المواقع المكتشفة على امتداد جغرافي يصل تقريباً بين دير الزور شرقي سوريا ومحافظة الأنبار غربي العراق، وهي منطقة كانت تمثل ممراً مهماً للتنظيم في نقل الأموال والأسلحة.
ووفق التحقيق، كانت ستة مواقع من بين الحالات الموثقة تقع في مناطق صحراوية أو نائية، فيما اكتُشفت مواقع أخرى داخل منازل ومزارع خاصة.
وتكشف طبيعة هذه المواقع عن محاولة واضحة لإخفاء الاحتياطي المالي بعيداً عن المنشآت المعروفة، وجعل الوصول إليه مرتبطاً بمعلومات سرية لا يمتلكها سوى عدد محدود من الأشخاص.


أموال وذهب
في مدينة الموصل العراقية، عثرت السلطات عام 2021 داخل منزل كان يستخدم سابقاً مقراً مالياً للتنظيم على أكثر من 1.5 مليون دولار، إضافة إلى 17 مليون دينار عراقي و15 كيلوغراماً من الفضة ونحو نصف كيلوغرام من الذهب.
وفي حالات أخرى، عُثر على ملايين الدولارات مدفونة في مناطق عراقية مختلفة، بينها دفينة قدرت قيمتها بنحو 16 مليون دولار من الذهب والدولارات قرب القائم على الحدود السورية-العراقية.
ولم تقتصر عمليات الإخفاء على الأموال التابعة للتنظيم، إذ تشير الوثائق والشهادات إلى أن عناصر وقادة أخفوا مدخراتهم الشخصية أيضاً، بما فيها الأموال والذهب والأسلحة، داخل المنازل والحدائق أو في مناطق بعيدة عن الأنظار.


صيادو الكنوز
مع مرور الوقت، تحولت هذه الدفائن إلى هدف لشبكات غير رسمية من الحفارين والوسطاء، بعضهم من أعضاء التنظيم السابقين، بحثاً عن الأموال المخفية مقابل الحصول على حصة مما يتم العثور عليه.
لكن البحث عن كنوز التنظيم لم يكن دائماً مغامرة مالية. ففي بعض الحالات، ارتبطت عمليات البحث بالعنف والابتزاز والاحتجاز.
وتشير إحدى الوقائع التي يوثقها التحقيق إلى العثور على ذهب مدفون في حديقة منزل في دير الزور، قبل أن يتدخل التنظيم لمعرفة موقعه، في حادثة انتهت باحتجاز أحد أفراد الأسرة ومقتل آخر أثناء محاولة الفرار.
وتكشف هذه الوقائع أن الأموال المدفونة تحولت، في بعض المناطق، إلى مصدر جديد للتوتر والعنف، حتى بعد انتهاء سيطرة التنظيم المباشرة على تلك المناطق.


47 مليوناً فقط؟
رغم قيمة الأموال التي أمكن استعادتها، فإن السؤال الأكثر تعقيداً لا يتعلق بما عُثر عليه، بل بما لم يُعثر عليه بعد.
وتشير تقديرات وردت في التحقيق إلى أن الأموال المستعادة حتى الآن يمكن أن تمثل احتياطياً قادراً على تمويل رواتب نحو 10 آلاف مقاتل لمدة عام، وفق مستويات الأجور التي كان التنظيم يعتمدها خلال ذروة نشاطه.
لكن الثروة المدفونة ليست سوى جزء من منظومة مالية أوسع، اعتمدت أيضاً على الابتزاز والخطف والتهريب والتحويلات المالية والاستثمارات وشبكات تمتد خارج سوريا والعراق.


ملايين مجهولة المصير
تشير تقديرات أميركية سابقة إلى أن التنظيم احتفظ بعد خسارة أراضيه باحتياطيات مالية بملايين الدولارات، فيما قدرت تقديرات أخرى حجم أصوله النقدية والسائلة داخل سوريا والعراق بعشرات الملايين.
غير أن هذه الأرقام لا تكشف بالضرورة حجم الأموال التي لا تزال مدفونة فعلياً، إذ يصعب تحديد عدد المخابئ التي لم تُكتشف أو معرفة مواقعها بدقة.
كما لم يحصل التحقيق، وفق ما أورده، على تقديرات رسمية من الجهات السورية والقوى المحلية والتحالف الدولي بشأن حجم المخابئ المتبقية أو آليات التعامل معها.


الثروة التي لم تظهر
ما تم العثور عليه حتى الآن قد يكون مجرد الجزء المرئي من منظومة مالية صُممت أساساً للبقاء بعد انهيار دولة التنظيم المزعومة.
فبين وثيقة تأمر بـ«دفن المال»، وخزائن إسمنتية تحت الأرض، وملايين الدولارات التي ظهرت في عمليات متفرقة، يبقى السؤال مفتوحاً: كم من أموال داعش لا يزال مدفوناً في سوريا والعراق، ومن يملك مفاتيح الوصول إليه؟ 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 5 + 8