تكشف بيانات المالية العامة في سورية خلال النصف الأول من عام 2026 عن فجوة متزايدة بين الإيرادات والنفقات، بعدما تجاوز الإنفاق الموارد المتاحة بنحو مليار دولار، رغم الارتفاع الكبير في الإيرادات مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.
اقرأ أيضاً:رصاص المطاردة يصيب منزلا ويشعل حريقا بالنبك
قال وزير المالية السوري محمد يسر برنية إن إجمالي الإيرادات العامة خلال الأشهر الستة الأولى من 2026 بلغ نحو 2.7 مليار دولار، مقابل إنفاق عام قدره نحو 3.7 مليارات دولار، ما أدى إلى تسجيل عجز مالي يقارب مليار دولار.
وأوضح برنية، بحسب ما نقلته وكالة الأنباء الرسمية «سانا»، أن الإيرادات العامة ارتفعت بنسبة 111% مقارنة بالنصف الأول من 2025، في حين قفز الإنفاق العام بنسبة 331%.
أرجع الوزير الزيادة في النفقات بصورة رئيسية إلى ارتفاع الرواتب والأجور، إلى جانب توسع الإنفاق على الأولويات الحكومية.
بدأت إيرادات النفط والغاز بالتوريد إلى وزارة المالية اعتباراً من أيار/مايو 2026، وسط توقعات بأن تسهم هذه الموارد في تعزيز موارد الخزينة خلال النصف الثاني من العام.
تراهن وزارة المالية كذلك على تحسن التحصيل الضريبي والجمركي، إلى جانب بعض الإيرادات الاستثنائية، لرفع مستوى الموارد العامة خلال الأشهر المتبقية من العام.
اقرأ أيضاً:فوسفات حمص أمام استثمار فرنسي بطاقة 1.2 مليون طن
يتوقع برنية في المقابل ارتفاع وتيرة الإنفاق خلال النصف الثاني من 2026، مع ظهور الأثر الكامل لزيادة الرواتب والأجور، بالتزامن مع تسارع تنفيذ المشاريع والإنفاق الاستثماري.
تتزامن هذه الأرقام مع موازنة عامة لعام 2026 تتضمن عجزاً مخططاً، إذ قدرت وزارة المالية إجمالي الإيرادات السنوية بنحو 8.716 مليارات دولار، مقابل نفقات مقدرة بنحو 10.516 مليارات دولار، ليبلغ العجز المخطط نحو 1.799 مليار دولار.
تتوزع الإيرادات المتوقعة في الموازنة بين الضرائب والرسوم بنسبة 28.7%، وإيرادات النفط والغاز بنسبة 27.9%، والرسوم الجمركية بنسبة 21.8%، وعوائد استثمارات الدولة بنسبة 21.6%.
تستحوذ التنمية الاجتماعية والخدمات على نحو 41% من إجمالي النفقات، مقابل 33% للدفاع والأمن القومي، فيما تبلغ حصة الخدمات العامة 26%.
تختلف هذه الصورة عن نتائج عام 2025، حين سجلت المالية العامة فائضاً محدوداً، إذ بلغت الإيرادات العامة نحو 3.493 مليارات دولار، مقابل إنفاق قدره نحو 3.447 مليارات دولار، بفائض يقارب 46 مليون دولار.
يعكس الانتقال من فائض محدود في 2025 إلى عجز يقارب مليار دولار خلال الأشهر الستة الأولى من 2026 ارتفاعاً حاداً في الإنفاق، رغم النمو الملحوظ في الإيرادات.
يرتبط جزء أساسي من زيادة الإنفاق بارتفاع الرواتب والأجور، إضافة إلى توسع الحكومة في تمويل الأولويات والمشاريع والإنفاق الاستثماري.
تشكل موارد النفط والغاز أحد أبرز مصادر الدعم التي تعوّل عليها الحكومة خلال الفترة المقبلة، خصوصاً بعد بدء تحويل إيراداتها إلى وزارة المالية في أيار/مايو.
تعتمد الخزينة كذلك على زيادة التحصيل الضريبي والجمركي وبعض الإيرادات الاستثنائية لتعزيز قدرتها على تغطية النفقات المتوقعة.
يترافق ذلك مع توقع استمرار الضغوط على الإنفاق خلال النصف الثاني من العام، نتيجة الظهور الكامل لأثر زيادة الرواتب والأجور، إلى جانب تسارع تنفيذ المشاريع والإنفاق الاستثماري.
تسعى وزارة المالية بالتوازي إلى تعزيز الإفصاح المالي وإتاحة معلومات للمواطنين بشأن موارد الموازنة، وأوجه توجيهها، وتطور تنفيذها خلال العام.
أعلنت الوزارة في نيسان/أبريل 2026 إصدار «نسخة المواطن» لموازنة العام، وهي نسخة مبسطة ومختصرة من الموازنة العامة للدولة، ولا تمثل بديلاً عنها.
تُعد «نسخة المواطن» أحد الإصدارات السنوية الأساسية ضمن منظومة الإفصاح المالي الجديدة في وزارة المالية، وتهدف إلى تقديم بيانات الموازنة بصورة أكثر وضوحاً للمواطنين.
تضع نتائج النصف الأول الحكومة أمام تحدي تحقيق توازن بين تمويل الرواتب والخدمات والمشاريع من جهة، وزيادة الإيرادات والحد من اتساع الفجوة المالية من جهة أخرى.
ترتبط قدرة السلطات المالية على إدارة هذه المعادلة خلال الأشهر المتبقية من 2026 بمستوى نمو الإيرادات النفطية والضريبية والجمركية، في مقابل الالتزامات الناتجة عن زيادة الأجور وتسارع الإنفاق الاستثماري.
يرى مراقبون أن نتائج النصف الثاني ستكون مؤشراً مهماً إلى مدى قدرة الحكومة على الاقتراب من المستهدفات الواردة في موازنة 2026، خصوصاً في ظل عجز بلغ نحو مليار دولار خلال أول ستة أشهر، مقارنة بعجز سنوي مخطط يبلغ نحو 1.799 مليار دولار.