هرمز بعد 6 أشهر من الحرب.. بحر بلا سفن

2026.08.31 - 14:06
Facebook Share
طباعة

 خلال ستة أشهر فقط، انتقل مضيق هرمز من أحد أكثر الممرات البحرية ازدحاماً في العالم إلى ممر شبه مغلق، بعدما هبط متوسط حركة السفن فيه من نحو 100 سفينة يومياً قبل الحرب إلى قرابة خمس سفن فقط في الوقت الراهن.

ولا تعكس هذه الأرقام مجرد تراجع في حركة الشحن، بل تكشف عن تحول أوسع في واحدة من أهم نقاط الاختناق في التجارة العالمية، بعدما دفعت العمليات العسكرية والمخاطر الأمنية المتصاعدة شركات النقل والطاقة إلى إعادة حساب مساراتها وتكاليفها ووجهاتها.

وأظهرت بيانات حركة الشحن في مطلع الأسبوع أن خمس سفن فقط من سفن السلع الأولية تمكنت من عبور المضيق يومياً، غالبيتها من السفن الصغيرة. وشملت الحركة ناقلتي غاز بترولي مسال، عبرت إحداهما باتجاه الخارج عبر المسار الإيراني، بينما تحركت الأخرى باتجاه الهند مع تعطيل نظام التتبع الخاص بها.

وتشير بيانات شركات متابعة الملاحة إلى أن العدد الحقيقي قد يكون أعلى من الأرقام المرصودة، بعدما لجأت بعض السفن إلى إيقاف أجهزة التعرف الآلي، في محاولة لتقليل فرص رصدها أثناء العبور.

اقرأ أيضا: هرمز يشتعل مجدداً.. إيران تواجه التصعيد الأميركي

لماذا يمثل هرمز مشكلة استثنائية؟

تكمن أهمية المضيق في أنه ليس مجرد طريق بحري بين الخليج وخليج عمان، بل منفذ رئيسي لصادرات الطاقة من عدد من أكبر المنتجين في العالم.

وقبل الحرب، كان المضيق يستقبل يومياً عشرات ناقلات النفط والغاز المتجهة إلى الأسواق الآسيوية والأوروبية وغيرها، فيما كانت تمر عبره نسبة كبيرة من إمدادات الطاقة العالمية.

وبحسب بيانات الأمم المتحدة، كانت تدفقات النفط الخام عبر هرمز تمثل قبل الحرب نحو 38% من التدفقات العالمية، مقابل نحو 29% من تجارة غاز البترول المسال و19% من تجارة الغاز الطبيعي المسال.

وتزداد حساسية المضيق بسبب محدودية البدائل. فحتى عندما تستطيع بعض الدول استخدام خطوط أنابيب أو موانئ بديلة، فإن هذه الخيارات لا تمتلك الطاقة الاستيعابية الكافية لتعويض حركة الشحن التي كانت تمر عبر هرمز.

وهذا ما يجعل أي اضطراب طويل الأمد فيه قابلاً للتحول من أزمة إقليمية إلى مشكلة تمتد آثارها إلى أسواق الطاقة والتأمين والنقل وسلاسل الإمداد العالمية.

اقرأ أيضا: المنهاد يدخل خط النار وهرمز يوسّع حسابات الحرب

من 17 مليون برميل إلى 9 ملايين

ولم تتوقف آثار الأزمة عند حركة السفن، إذ انعكس اضطراب الملاحة على كميات النفط الخارجة من منطقة الخليج.

وتشير البيانات المتاحة إلى انخفاض صادرات النفط الخام من المنطقة بنحو 47% مقارنة بمستويات عام 2025، من قرابة 17 مليون برميل يومياً إلى نحو 9 ملايين برميل يومياً في أغسطس/آب 2026.

وتقدر تحليلات سوقية أن ما بين خمسة وسبعة ملايين برميل من نفط الخليج تواجه تعطلاً يومياً، فيما تراجعت صادرات النفط الخام التي تمر مباشرة عبر المضيق إلى متوسط يقارب 2.2 مليون برميل يومياً.

كما انخفضت شحنات النفط الخام من كبار المنتجين في المنطقة بصورة كبيرة، لتتراجع من نحو 400 مليون برميل في فبراير/شباط إلى قرابة 200 مليون برميل في يوليو/تموز.

هذه الأرقام تعني أن تأثير الأزمة تجاوز حركة المرور البحرية نفسها، وأصبح يطال قدرة المنطقة على تصدير جزء من إنتاجها إلى الأسواق الخارجية.

 

كيف انهارت الحركة البحرية؟

قبل اندلاع الحرب في 28 فبراير/شباط، كان عبور هرمز يجري وفق نظام ملاحي منظم تستخدم فيه السفن مسارات محددة وسط المضيق، بما يتناسب مع قواعد السلامة وجدولة الموانئ والعقود التجارية.

لكن العمليات العسكرية غيرت هذه المعادلة بسرعة.

وبعد إعلان إيران إغلاق المضيق في الثاني من مارس/آذار، انخفضت حركة السفن إلى نحو خمس يومياً، واستمر التراجع خلال فترة وقف إطلاق النار في أبريل/نيسان، قبل أن تشهد الملاحة تحسناً مؤقتاً لاحقاً.

وفي يونيو/حزيران، ساهمت مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران في رفع المتوسط اليومي إلى نحو 20 سفينة، إلا أن هذا التحسن لم يستمر طويلاً، إذ عادت القيود والحصار في يوليو/تموز، لتتراجع الحركة مجدداً إلى مستوياتها السابقة.

وبذلك تحول المضيق من ممر ملاحي يعمل بصورة شبه اعتيادية إلى منطقة تحتاج فيها كل رحلة إلى حساب المخاطر الأمنية والسياسية قبل اتخاذ قرار العبور.

 

السفن بين خطر الهجوم وخطر التوقف

ولم يكن تراجع الحركة نتيجة المخاوف النظرية فقط، إذ شهد المضيق والمنطقة المحيطة به سلسلة من الحوادث التي طالت سفناً تجارية.

ومنذ بداية الحرب، رُصدت عشرات الحوادث التي تعرضت فيها سفن لهجمات أو لحوادث أمنية مرتبطة بالمواجهة بين إيران والولايات المتحدة، بينما أعلنت المنظمة البحرية الدولية مقتل 19 بحاراً.

وكانت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية قد أعلنت، الأحد، إصابة ناقلة نفط بقذيفة مجهولة أثناء عبورها المضيق، في ثالث حادث من نوعه تبلغ عنه الهيئة خلال أيام.

وتزامن ذلك مع عودة التصعيد العسكري، بعدما أعلنت الولايات المتحدة تنفيذ ضربات ضد منصات إطلاق صواريخ إيرانية في جزيرة لارك، في أحدث تطور عسكري مباشر داخل منطقة المضيق.

وفي بيئة كهذه، يصبح إيقاف جهاز التتبع أو تغيير المسار أو تأجيل الرحلة خياراً تجارياً وأمنياً، وليس مجرد قرار ملاحي.

 

مساران بدل مسار واحد

كما فرضت الحرب واقعاً جديداً على طرق العبور.

فبعد أن كان المضيق يعمل وفق مسارات ملاحية مشتركة ومنظمة، أدى الترتيب المؤقت بين إيران وسلطنة عمان إلى تقسيم الحركة إلى مسارين منفصلين، يستخدم كل منهما المياه الإقليمية لأحد البلدين.

وتدفع إيران باتجاه استخدام المسار الشمالي القريب من سواحلها وجزيرتي لارك وقشم، فيما تحاول السفن اختيار الطريق الذي يحقق أكبر قدر ممكن من الأمان والاستقرار في ظل الظروف الحالية.

لكن المشكلة لا تكمن في المسار وحده. فحتى مع وجود طرق بديلة داخل المضيق، تبقى المخاطر المرتبطة بالتصعيد العسكري كافية لدفع الشركات إلى تقليل عمليات العبور.

 

الأزمة تعيد رسم خريطة الشحن

ومع استمرار اضطراب هرمز، بدأت شركات الشحن والطاقة بإعادة ترتيب مساراتها بعيداً عن الخليج، وهو ما يرفع المسافة والتكلفة ومدة الرحلات.

وتحولت مناطق مثل البحر الأحمر وجنوب شرق آسيا إلى نقاط أكثر أهمية في إعادة توجيه حركة السفن وتدفقات الطاقة، مع تعزيز مراكز بحرية في سنغافورة وماليزيا لدورها في استقبال وإعادة توزيع الشحنات.

وهكذا، لم يعد مضيق هرمز مجرد ساحة إضافية في الحرب، بل أصبح أحد أبرز مؤشرات تأثيرها على الاقتصاد العالمي.

فكلما طال إغلاق الممر أو بقيت حركة السفن عند مستوياتها الحالية، زادت الضغوط على أسواق الطاقة والتأمين والنقل، وازدادت الحاجة إلى مسارات بديلة أكثر كلفة.

وبعد ستة أشهر من الحرب، تكشف المقارنة بين نحو 100 سفينة كانت تعبر هرمز يومياً وخمس سفن فقط حالياً حجم التحول الذي طرأ على واحد من أهم الممرات البحرية في العالم.

والسؤال لم يعد فقط متى تعود الملاحة إلى مستوياتها السابقة، بل ما إذا كانت الشركات والأسواق ستتعامل مع هرمز مستقبلاً باعتباره ممراً آمناً ومستقراً، أم باعتباره نقطة مخاطرة دائمة ستفرض كلفتها على التجارة العالمية حتى بعد توقف العمليات العسكرية.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 7 + 3