نهاية قسد العسكرية تفتح ملفات أصعب أمام دمشق

عبدالله نعيمي - حلب - وكالة أنباء آسيا

2026.08.30 - 17:22
Facebook Share
طباعة

 لا يبدو إعلان حل "قوات سوريا الديمقراطية" والإدارة الذاتية نهاية لمسار طويل بين دمشق والقوى المسيطرة على أجزاء واسعة من شمال شرقي سوريا، بقدر ما يمثل انتقالًا إلى مرحلة أكثر تعقيدًا، سيكون عنوانها الأساسي كيفية تحويل الاتفاقات السياسية والعسكرية إلى ترتيبات مؤسساتية مستقرة.

وأعلن قائد "قسد" مظلوم عبدي في 25 آب حل القوات والتشكيلات العسكرية والمدنية التابعة لها، مؤكدًا الانتقال إلى العمل ضمن مؤسسات الدولة السورية. وبعد يومين، أصدر الرئيس السوري أحمد الشرع مرسومًا بتعيينه مستشارًا لدى رئاسة الجمهورية، في خطوة تعكس انتقال العلاقة من صيغة التفاوض بين طرفين إلى إطار مؤسسات الدولة.

اقرأ أيضا: التعليم في السويداء رهينة خلافات الطريق والسلطة

من قوة عسكرية إلى مؤسسات الدولة

بدأ المسار الحالي باتفاق 29 كانون الثاني، الذي وضع أسس وقف إطلاق النار والاندماج التدريجي للمؤسسات العسكرية والأمنية والمدنية التابعة لـ"قسد" ضمن الدولة السورية.

ولم يقتصر الاتفاق على الجانب العسكري، بل شمل ملفات المعابر الحدودية وحقول النفط والغاز والسجون والمخيمات والمؤسسات المدنية، إضافة إلى قضايا مرتبطة بالحقوق المدنية والتعليمية للكرد وعودة المهجرين.

وخلال الأشهر التالية، انتقل التنفيذ بصورة تدريجية من التفاهم السياسي إلى ترتيبات ميدانية، شملت دمج تشكيلات عسكرية وأمنية وإعادة تنظيم عدد من المؤسسات والقطاعات الخدمية والإدارية.

لكن التطبيق كشف عن ملفات أكثر تعقيدًا من مجرد إعادة توزيع القوات، خصوصًا في ما يتعلق بالأجهزة الأمنية، والقضاء، والتعليم، والموظفين، وطريقة إدارة المؤسسات التي نشأت خلال سنوات الإدارة المنفصلة عن دمشق.

وبالتالي، فإن حل "قسد" كقوة عسكرية مستقلة يحسم جانبًا مهمًا من المعادلة، لكنه لا يحسم تلقائيًا مستقبل المنظومة التي تشكلت في مناطق سيطرتها.

اقرأ أيضا: حلب تجمع ثلاث محافظات لرسم ملامح ما بعد قسد

الاختبار الأصعب يبدأ الآن

تكمن صعوبة المرحلة المقبلة في أن الدولة لا تتسلم فراغًا عسكريًا فحسب، بل شبكة واسعة من المؤسسات والموظفين والقوى الأمنية والخدمية، إلى جانب ترتيبات إدارية واقتصادية تشكلت على مدى سنوات.

ومن المتوقع أن تبرز هنا أسئلة تتعلق بكيفية تسوية أوضاع العاملين في المؤسسات السابقة، وإعادة تنظيم القوى الأمنية، وتحديد مصير المقار والمنشآت، وربط المؤسسات المحلية بالوزارات المركزية، دون أن يؤدي الانتقال السريع إلى تعطيل الخدمات أو خلق فراغ أمني.

وتكتسب الحسكة أهمية خاصة في هذا السياق، باعتبارها إحدى أبرز المناطق التي بقيت فيها خلال المرحلة السابقة بنية إدارية وأمنية مختلفة عن مؤسسات الدولة، فيما شهدت أجزاء من المحافظة خلال الأشهر الماضية توسعًا في انتشار القوات الحكومية.

ويعني ذلك أن نجاح الاندماج لن يقاس فقط بعدد الوحدات العسكرية التي جرى دمجها، بل بقدرة الدولة على إدارة التفاصيل اليومية للمناطق والسكان.

اقرأ أيضا: توغل إسرائيلي جديد في ريف القنيطرة وسط تصعيد متواصل

الأمن وحده لا يكفي

إذا كان إنهاء وجود قوة عسكرية مستقلة يمثل خطوة أساسية في توحيد القرار الأمني والعسكري، فإن تثبيت هذا القرار يحتاج إلى ترتيبات تضمن شعور السكان بالأمان وعدم تحول الانتقال إلى عملية استبدال قوة بأخرى.

وهنا يبرز ملف الأجهزة الأمنية المحلية، التي كانت مرتبطة خلال السنوات الماضية بهياكل الإدارة الذاتية، إذ سيكون المطلوب تحديد آليات إعادة تشكيلها ضمن وزارة الداخلية، وتحديد المسؤوليات وسلاسل القيادة، بما يمنع ازدواجية القرار الأمني.

كما أن معالجة ملف السجون والمخيمات المرتبطة بمقاتلي تنظيم الدولة ستكون من القضايا الحساسة، نظرًا إلى بعدها الأمني والإقليمي، وحاجتها إلى تنسيق مؤسساتي طويل الأمد.

 

الحقوق الكردية تدخل المسار السياسي

مع تراجع العامل العسكري، ينتقل جزء أساسي من المطالب الكردية إلى المجال السياسي والدستوري.

وقد كان هذا التحول حاضرًا في تصريحات عبدي خلال الفترة الأخيرة، عندما تحدث عن الانتقال من استكمال الدمج العسكري والأمني إلى تثبيت حقوق الكرد ضمن الدولة والدستور.

وتشمل أبرز القضايا المطروحة اللغة والتعليم والتمثيل المحلي، وهي ملفات لا يمكن حسمها بقرار أمني، وإنما تحتاج إلى إطار قانوني يحدد حقوق المكونات وعلاقتها بمؤسسات الدولة.

ومن هنا، فإن نجاح الاندماج قد يتوقف جزئيًا على قدرة دمشق على الفصل بين إنهاء البنية العسكرية لـ"قسد" وبين التعامل مع المطالب المدنية والثقافية للسكان الكرد، بحيث لا تتحول تسوية الملف العسكري إلى سبب لإعادة إنتاج الخلاف سياسيًا.

 

النفط والمعابر.. اختبار السيادة

يمثل ملف الموارد الاقتصادية أحد أهم الاختبارات العملية للمرحلة الجديدة.

فحقول النفط والغاز والمعابر الحدودية لم تكن مجرد مصادر اقتصادية، بل شكلت خلال السنوات الماضية جزءًا من بنية الإدارة والنفوذ في شمال شرقي البلاد.

وينص مسار الاتفاق على انتقال هذه الملفات إلى الدولة، ما يضع دمشق أمام مهمة إعادة دمج المنطقة اقتصاديًا وإداريًا مع بقية سوريا، مع الحفاظ على استمرارية الخدمات وضمان إدارة الموارد ضمن المؤسسات الرسمية.

وفي المقابل، ستبقى طريقة توزيع عوائد هذه الموارد عاملًا مهمًا في قبول السكان المحليين بالترتيبات الجديدة، خصوصًا في مناطق اعتادت خلال السنوات الماضية نمطًا مختلفًا من إدارة الموارد والإنفاق المحلي.

 

التمثيل بعد انتهاء القوة

يشكل تعيين عبدي مستشارًا لدى رئاسة الجمهورية مؤشرًا على أن المرحلة المقبلة لن تكون قائمة على إقصاء كامل للشخصيات التي قادت المرحلة السابقة، وإنما على إدخال بعضها ضمن المؤسسات الرسمية.

لكن هذه الخطوة تفتح سؤالًا أوسع حول شكل التمثيل السياسي للمناطق الكردية والمكونات الأخرى في شمال شرقي سوريا.

فإذا كان الاندماج يعني انتهاء وجود كيان عسكري وإداري مستقل، فإن استمرار قنوات التواصل مع المجتمعات المحلية سيكون ضروريًا لمنع نشوء فجوة بين المركز والمناطق التي مرت خلال سنوات الحرب بتجربة حكم مختلفة.

 

سوريا أمام اختبار أكبر

يحمل اتفاق دمشق و"قسد" أهمية تتجاوز حدود شمال شرقي سوريا، لأنه يقدم اختبارًا مبكرًا لقدرة الدولة السورية الجديدة على إعادة دمج مناطق ومؤسسات تشكلت خارج مؤسساتها خلال سنوات الحرب.

نجاح التجربة قد يعزز مسار توحيد المؤسسات وحصر السلاح والقرار الأمني ضمن الدولة، بينما قد يؤدي سوء إدارة المرحلة الانتقالية إلى نقل الخلاف من الميدان العسكري إلى المؤسسات والسياسة والحقوق.

ولهذا، فإن إعلان حل "قسد" لا يغلق الملف بقدر ما يغيّر طبيعته. فالمعادلة المقبلة لن تُقاس بمن يسيطر على الأرض، وإنما بقدرة الدولة على إدارة تلك الأرض، وضمان الأمن، واستمرار الخدمات، واستيعاب الموظفين والمقاتلين، وتنظيم الموارد، وفتح مسار سياسي واضح للحقوق المحلية.

وبهذا المعنى، تبدأ بعد 25 آب المرحلة الأكثر اختبارًا للاتفاق: مرحلة تثبيت الاندماج في الحياة اليومية، لا الاكتفاء بإعلانه سياسيًا.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 9 + 6