السويداء بين خطاب الهجري وحسابات إسرائيل المتغيرة

لجين عزام

2026.08.30 - 17:11
Facebook Share
طباعة

 أعاد الرئيس الروحي لطائفة الموحدين الدروز في السويداء، حكمت الهجري، ملف المحافظة إلى واجهة التجاذبات السياسية، بعد تصريحات أعلن فيها موقفًا مؤيدًا لإسرائيل، وربط فيها الدروز في سوريا بما وصفه بـ"الامتداد التاريخي" لهم داخل إسرائيل.

وتأتي تصريحات الهجري في مرحلة شديدة الحساسية بالنسبة للسويداء، التي ما تزال تبحث عن مخرج سياسي وأمني ينهي حالة الانقسام والتوتر، في وقت تتداخل فيه الحسابات المحلية مع مواقف إقليمية، أبرزها الدور الإسرائيلي المتزايد في الجنوب السوري.

اقرأ أيضا: التعليم في السويداء رهينة خلافات الطريق والسلطة

خطاب يتجاوز حدود السويداء

في تسجيل مصور نشر في 24 آب، قال الهجري إن الدروز يشكلون جزءًا من دولة إسرائيل، وإنهم يمثلون معها عائلة واحدة، كما تحدث عن توافق عقائدي ومؤسساتي، وقدم صورة إيجابية عن إسرائيل باعتبارها دولة مؤسسات وعلم وحضارة.

ولا تبدو أهمية التصريحات مرتبطة بمضمونها وحده، بل بتوقيتها أيضًا، إذ جاءت بينما تحاول الحكومة السورية تثبيت حضورها في الجنوب وإعادة ترتيب العلاقة مع مختلف القوى المحلية، في حين تواصل إسرائيل تقديم نفسها باعتبارها طرفًا معنيًا بصورة مباشرة بمستقبل المنطقة.

ويضع هذا الخطاب الهجري أمام معادلة أكثر تعقيدًا؛ فكلما ارتفع سقف ارتباطه بإسرائيل، تقلصت مساحة المناورة أمام أي تسوية سورية داخلية يمكن أن تحظى بقبول الأطراف المختلفة.

كما أن تحويل العلاقة مع إسرائيل إلى جزء من الخطاب السياسي المتعلق بالسويداء يحمل مخاطر تتجاوز الخلاف بين الهجري وخصومه، إذ يمكن أن يدفع المحافظة إلى مزيد من الاستقطاب ويجعل أي خلاف داخلي قابلًا للاستخدام ضمن صراع إقليمي أوسع.

اقرأ أيضا: حلب تجمع ثلاث محافظات لرسم ملامح ما بعد قسد

 

إسرائيل والورقة الدرزية

تاريخيًا، تعاملت إسرائيل مع الملف الدرزي في سوريا بوصفه إحدى أوراق النفوذ الممكنة في الجنوب، وازدادت أهمية هذه الورقة بعد سقوط النظام السابق والتغيرات التي طرأت على خريطة القوى في سوريا.

وتربط إسرائيل تدخلاتها العسكرية والسياسية في الجنوب باعتبارات أمنية، إلا أن خطابها بشأن حماية الدروز منحها في الوقت نفسه مساحة للتواصل مع شخصيات وقوى سورية معارضة لسيطرة دمشق على المنطقة.

غير أن الرهان على هذا الدور يبقى مرتبطًا بحسابات إسرائيلية متغيرة، وليس بضمانات ثابتة بشأن مستقبل السويداء. فالأولوية الإسرائيلية تظل مرتبطة بأمن حدودها ومصالحها العسكرية والسياسية، ما يجعل أي تعويل محلي على دعم خارجي دائم خيارًا محفوفًا بالمخاطر.

ومن هذه الزاوية، يمكن فهم إصرار الهجري على خطاب التقارب مع إسرائيل باعتباره محاولة لتثبيت موقعه في معادلة الجنوب، في مواجهة خصوم داخليين ومسار سياسي تقوده دمشق، لكنه في المقابل قد يؤدي إلى زيادة عزلته عن أي تفاهمات وطنية محتملة.

اقرأ أيضا: توغل إسرائيلي جديد في ريف القنيطرة وسط تصعيد متواصل

انقسام داخلي وتراجع مساحة الحل

لا تحظى مواقف الهجري بإجماع داخل السويداء، إذ ظهرت خلال الأشهر الماضية مواقف تنتقد توجهاته وترفض ربط مستقبل المحافظة بأي مشروع إقليمي، بالتزامن مع استمرار الخلاف حول العلاقة مع الحكومة السورية وطبيعة الإدارة الأمنية والسياسية في المحافظة.

ويزداد تعقيد المشهد مع استمرار ملفات أخرى عالقة، بينها حرية الحركة، والوضع الأمني، ومستقبل التشكيلات المسلحة، إضافة إلى قضية الطلاب والامتحانات التي تحولت إلى واحدة من أبرز نقاط الاحتكاك بين السويداء ومؤسسات الدولة.

وتشير هذه التطورات إلى أن الأزمة لم تعد محصورة في خلاف سياسي حول شكل العلاقة مع دمشق، وإنما باتت تتصل بمستقبل المحافظة وهويتها وموقعها ضمن الدولة السورية.

 

رهان مفتوح على حسابات متغيرة

في المقابل، لا تزال إسرائيل نفسها أمام معادلة أكثر تعقيدًا في الجنوب السوري. فهي تسعى إلى منع أي انتشار عسكري تعتبره تهديدًا لها، وتعمل على إبقاء منطقة الجنوب ضمن نطاق أمني حساس، لكنها لا تبدو أمام خيار واضح لتحويل دعمها لبعض الأطراف المحلية إلى مشروع سياسي متكامل.

ولهذا فإن ربط مستقبل السويداء بموقف إسرائيلي ثابت قد يكون رهانًا غير مضمون النتائج، خصوصًا أن المصالح الإسرائيلية قابلة للتبدل وفق التطورات الأمنية والسياسية في سوريا والمنطقة.

وبينما يتمسك الهجري بخطاب يرفع مستوى التقارب مع إسرائيل، تواجه السويداء واقعًا أكثر تعقيدًا: مجتمع منقسم حول خيارات المرحلة، وسلاح خارج إطار الدولة، وتدخلات إقليمية، وحاجة متزايدة إلى تسوية تضمن الأمن وتحافظ على خصوصية المحافظة من دون تحويلها إلى ساحة صراع بالوكالة.

وتبدو المعضلة الأساسية في المرحلة المقبلة مرتبطة بقدرة الأطراف السورية على فصل مطالب أبناء السويداء عن الحسابات الإقليمية، وإيجاد صيغة سياسية وأمنية تستوعب مخاوف السكان، بدل ترك الفراغ مفتوحًا أمام قوى خارجية لإعادة رسم مستقبل المحافظة وفق مصالحها.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 1 + 5