صواريخ ومسيّرات قرب المخا.. هل يتسع صراع باب المندب؟

2026.08.29 - 14:30
Facebook Share
طباعة

تحولت جبهة الساحل الغربي في اليمن إلى واحدة من أكثر نقاط الصراع حساسية، مع تصاعد هجمات جماعة أنصار الله على مدينة وميناء المخا ومحيطهما، في وقت تسعى فيه القوات الحكومية والقوات المشتركة إلى تحصين المنطقة ومنع أي تقدم بري باتجاه باب المندب. ويكتسب هذا التصعيد أهمية تتجاوز حدود المواجهات المحلية، نظرًا للموقع الحيوي للمضيق الذي يشكل أحد أبرز الممرات البحرية للتجارة والطاقة عالميًا.

 اقرأ أيضاً:عقوبات أميركية خانقة.. إيران تراهن على الدبلوماسية والردع

 

تصاعدت خلال الأيام الأخيرة الهجمات بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، وطالت المخا ومناطق قريبة من خطوط الملاحة في البحر الأحمر. وقصفت الجماعة، الخميس، جزرًا مطلة على طرق الشحن البحري، بينما أعلنت بحرية المقاومة الوطنية إسقاط مسيّرة تابعة لأنصار الله في البحر الأحمر، وذلك بعد يوم من استهداف ميناء المخا بثلاثة صواريخ باليستية.

 

يعكس هذا التطور تحولًا في طبيعة الضغط، من استهداف الملاحة البحرية إلى محاولة ضرب مركز عسكري ولوجستي بالغ الأهمية على الساحل الغربي. ويطرح ذلك تساؤلات بشأن قدرة أنصار الله على تنفيذ هجوم بري واسع والوصول إلى باب المندب، أو ما إذا كانت الضربات الحالية تهدف أساسًا إلى استنزاف الخصوم وتعطيل النشاط التجاري وفرض ضغوط سياسية واقتصادية.

 

على الأرض، تواجه الجماعة قوة عسكرية كبيرة تتمثل في القوات المشتركة، التي تضم ألوية المقاومة الوطنية وألوية العمالقة والألوية التهامية، ويبلغ قوامها نحو 30 لواءً. وتمكنت هذه التشكيلات خلال الفترة الماضية من تعزيز مواقعها الدفاعية وتأمين خطوط الإمداد والعمق المحيط بمدينة المخا.

 

اصطدمت التحركات الأخيرة بمقاومة شديدة، خصوصًا في قطاع البرح ومحيطه، حيث تكبدت الجماعة خسائر بشرية خلال الاشتباكات. كما دخلت الطائرات المسيّرة التابعة للقوات المشتركة على خط المواجهة، ونفذت ضربات ضد تجمعات وتعزيزات، ما ساهم في إرباك التحركات الهجومية.

 اقرأ أيضاً:هرمز يشتعل سياسياً.. تفاهم إيراني وضغوط أميركية

 

تفرض طبيعة الساحل الغربي بدورها تحديات كبيرة أمام أي محاولة تقدم بري، إذ تمتد مناطق واسعة ومكشوفة تتيح للقوات المدافعة رصد التحركات واستهدافها، بالتزامن مع وجود تحصينات وخطوط دفاع متقدمة حول المخا والمناطق الحيوية المحيطة بها.

 

في ظل صعوبة تحقيق اختراق بري مستدام، اتجهت أنصار الله إلى أسلوب الاستنزاف، عبر استهداف الميناء بالصواريخ والمسيّرات ومحاولة تعطيل نشاطه الملاحي والتجاري، إضافة إلى تهديد مشاريع البنية التحتية، ومنها المطار الجاري تجهيزه. وتشمل أدوات الضغط أيضًا الزوارق

المسيّرة والصواريخ الموجهة التي يمكن استخدامها للتأثير في أمن الملاحة الإقليمية والدولية.

 

تحاول القوات المشتركة في المقابل الحفاظ على جاهزيتها الدفاعية والهجومية، بعدما عملت على تحصين عمق المخا وتأمين طرق الإمداد والخطوط الخلفية، بما يقلل فرص حدوث اختراق مفاجئ. في المقابل، تواصل أنصار الله حشد قواتها في المديريات المحاذية للحديدة ومناطق التماس الممتدة في تعز والساحل، مع الاعتماد على كثافة النيران والهجمات بعيدة المدى لتعويض صعوبة التقدم البري.

 

يحذر مراقبون من أن استمرار القصف قد يؤدي إلى إنهاك منظومات الدفاع وإبقاء القوات في حالة استنفار، حتى من دون تحقيق مكاسب جغرافية مباشرة. كما أن تعطيل ميناء المخا يحمل آثارًا اقتصادية وإنسانية وسياسية، نظرًا لدوره في حركة الشحن وخدمة المناطق الواقعة في الداخل، ولا سيما محافظة تعز.

 

وتشير تقديرات ميدانية إلى أن أنصار الله تدرك كلفة خوض معركة برية مباشرة، لذلك تركز على إنهاك الدفاعات واستنزاف منظومات الاعتراض وإرباك النشاط الملاحي والاقتصادي وتعطيل الميناء. وتمنح هذه الاستراتيجية الجماعة مكاسب سياسية وإعلامية واقتصادية تتجاوز نتائج

المعارك الميدانية.

 

تمتلك القوات المشتركة خبرة طويلة في طبيعة جغرافية الساحل وأساليب أنصار الله، خصوصًا عمليات التسلل والهجمات المحدودة والمتدرجة، ما يجعل أي محاولة للتقدم عرضة للمواجهة مع خطوط دفاع معدة مسبقًا. لكن تأمين المخا وباب المندب بصورة نهائية يظل صعبًا طالما تمتلك الجماعة مواقع في الساحل الشمالي ومحيط الحديدة والصليف يمكن استخدامها للضغط على الملاحة والساحل الغربي.

 

لا يعتمد الانتقال من الدفاع إلى هجوم واسع على الاعتبارات العسكرية وحدها، بل يرتبط أيضًا بحسابات سياسية وإقليمية ودولية، إلى جانب أمن الملاحة والوضع الإنساني وردود الفعل الإقليمية. وفي حال فرضت أنصار الله واقعًا ميدانيًا جديدًا، فقد تتجه القوات الحكومية إلى استعادة المبادرة وفتح مسارات عسكرية مختلفة.

 

تستبعد تقديرات عسكرية قدرة أنصار الله على إحداث اختراق بري واسع باتجاه المخا أو التوسع جنوبًا، باعتبار أن مثل هذه العملية ستكلفها خسائر كبيرة، في حين تتمتع القوات الموجودة على الساحل بقدرات أقوى. كما أن تركيز الجماعة ثقلها العسكري في هذه الجبهة قد يؤدي إلى إضعاف مواقعها في جبهات أخرى، بما يمنح القوات الحكومية فرصًا للتحرك باتجاه الحديدة وربما الاقتراب من صنعاء.

 

يتمثل أحد الأهداف الأساسية لاستهداف المخا في تعطيل وظيفة الميناء وإضعاف حركة الشحن والإيرادات الضريبية والجمركية المرتبطة به، إضافة إلى التأثير في قدرته على تقديم خدمات حيوية للمناطق الداخلية، خصوصًا تعز، بدلًا من تحقيق انهيار مباشر في خطوط الدفاع.

 

أما معركة الحديدة، فتبقى عملية عسكرية بالغة الصعوبة، بعدما عملت أنصار الله منذ عام 2018 على تحويل المدينة إلى منطقة شديدة التحصين، فوق الأرض وتحتها. ويجعل ذلك الهجوم التقليدي مكلفًا للغاية، بينما قد تتطلب أي عملية ناجحة اختراقات مدروسة وتطويقًا من الاتجاه الشرقي. وبحسب التقديرات المطروحة، يبقى قرار فتح معركة واسعة مرتبطًا بالقرار السياسي قبل الحساب العسكري.

 

تشير المعطيات الحالية إلى تصاعد الاستهدافات في الساحل الغربي من دون وجود تقدم بري حقيقي أو محاولات واضحة للسيطرة على مناطق جديدة، فيما يرتبط جانب من التصعيد بحسابات الضغط الدولية والتطورات السياسية الإقليمية.

 

ويأتي ذلك في ظل تعقيدات المفاوضات بين واشنطن وطهران، وتحول جزء من الضغط الإيراني نحو دول الخليج والسعودية. ولا تبدو التحركات الحالية موجهة بالضرورة لتحقيق مكاسب جغرافية كبيرة، بل يمكن أن تكون أداة ضغط ضمن معادلات إقليمية أوسع.

 

تتوزع التحركات العسكرية لأنصار الله على محاور الساحل الغربي ومأرب، مع احتمال تنفيذ ضربات مفاجئة على الحدود السعودية. أما الحديدة، فقد شهدت استقرارًا نسبيًا خلال السنوات الماضية، واستمرت حركة السفن عبر موانئها في أعقاب اتفاق استوكهولم، خلافًا للرواية التي تقدمها الجماعة بشأن وجود حصار يمنع حركة التجارة.

 

تكمن أهمية المواجهة في موقع باب المندب، الذي يفصل بين اليمن والقرن الأفريقي، ولا يتجاوز عرض مياهه الإقليمية نحو 20 كيلومترًا. ويمثل المضيق ممرًا رئيسيًا لتجارة الطاقة والشحن بين آسيا وأوروبا عبر البحر الأحمر وقناة السويس، وتمر من خلاله نسبة تقدر بنحو 7 إلى 8% من تجارة النفط العالمية المنقولة بحرًا، إلى جانب أعداد كبيرة من سفن الحاويات وناقلات البضائع.

 

تبرز المخا باعتبارها نقطة ارتكاز عسكرية واستراتيجية على الساحل الغربي، إلى جانب أهميتها كميناء تاريخي ومركز للقيادة المشتركة والتنسيق العسكري. كما يمنحها موقعها قدرة على الربط بين البحر الأحمر والعمق البري لمحافظة تعز، فيما يضيف الميناء والمطار قيد التطوير أهمية اقتصادية وأمنية للموقع.

 

في حال تمكنت أنصار الله من السيطرة على المخا، فإن التداعيات لن تقتصر على تغيير خريطة السيطرة داخل اليمن، بل قد تمتد إلى أمن باب المندب وحركة الملاحة الدولية، فضلًا عن منح الجماعة ورقة ضغط استراتيجية واسعة. أما نجاح القوات الحكومية في استعادة الحديدة وموانئها، فقد يعني تقليص موارد أنصار الله وقطع جزء مهم من طرق إمدادها، إضافة إلى تضييق الخناق على نفوذها الساحلي.

 

لهذا تبدو المخا وباب المندب أمام معركة تتجاوز الحسابات العسكرية المباشرة، إذ تتقاطع فيها اعتبارات السيطرة على الأرض مع أمن الملاحة والتجارة والطاقة، بينما يبقى السؤال الأبرز هو ما إذا كان التصعيد سيتحول إلى محاولة هجومية واسعة، أم سيظل في إطار حرب استنزاف تهدف إلى إبقاء الساحل الغربي تحت ضغط دائم.

 

 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 7 + 8