من يدفع فاتورة الانهيار المالي في لبنان؟

2026.08.29 - 09:32
Facebook Share
طباعة

يواجه الاقتصاد اللبناني مرحلة شديدة الحساسية، بعدما أعادت الحرب في 2026 دفعه إلى الانكماش، عقب تعافٍ محدود خلال العام السابق، في وقت لا تزال الأزمة المالية والمصرفية التي انفجرت عام 2019 من دون معالجة شاملة.

اقرأ أيضاً:مصرف لبنان يشدد الرقابة على قطاع الصرافة

 

وقدّر البنك الدولي انكماش الاقتصاد اللبناني خلال 2026 بنحو 6.4%، بينما رفعت شركة «ستاندرد آند بورز غلوبال» التقدير إلى 8.6%. وتكشف هذه الأرقام حجم الضغوط التي يواجهها اقتصاد لم يستكمل مسار الخروج من أزمته المالية.

 

المشكلة الأساسية لا ترتبط بالحرب وحدها، إذ جاءت التطورات الأمنية فوق انهيار مالي متراكم لم يُحسم جوهره. ويتمحور الخلاف منذ سنوات حول الجهة التي ستتحمل الخسائر المتراكمة وكيفية توزيعها بين الدولة ومصرف لبنان والمصارف والمودعين.

 

أزمة بدأت قبل الحرب

 

اعتمد النموذج الاقتصادي اللبناني لسنوات على استقطاب العملات الأجنبية من الخارج واستخدامها في تمويل الدولة ومصرف لبنان والقطاع الاقتصادي. ومع تراجع قدرة الدولة ومصرف لبنان على الوفاء بالتزاماتهما، انتقلت الخسائر إلى القطاع المصرفي، ثم انعكست بصورة مباشرة على المودعين.

 

وبذلك، لم يكن انهيار سعر الصرف وتجميد الودائع سوى نتائج لأزمة أعمق، ارتبطت بترابط الدين السيادي والقطاع المصرفي والسياسة النقدية.

 

وأدى فقدان الثقة بالنظام المالي إلى انتقال جزء كبير من النشاط الاقتصادي إلى التعامل النقدي خارج القطاع المصرفي، الأمر الذي أضعف قدرة الدولة على التحصيل الضريبي وقلّص الائتمان المتاح للأسر والشركات.

اقرأ أيضاً:4 اتفاقيات ترسم مساراً اقتصادياً جديداً بين الإمارات ولبنان

 

كما فقدت الليرة اللبنانية أكثر من 95% من قيمتها أمام الدولار منذ عام 2019، فيما تشير تقديرات أخرى إلى خسارة تقترب من 98%، وهو ما انعكس على الأجور والمدخرات والقدرة الشرائية.

 

تعافٍ محدود ثم انتكاسة

 

سجّل الاقتصاد اللبناني خلال عام 2025 نمواً حقيقياً بلغ نحو 4.2%، وفق تقديرات البنك الدولي، وهو أول تحسن ملحوظ منذ بداية الانهيار المالي.

 

وساهم في هذا التحسن انتعاش الاستهلاك بدعم من تحويلات المغتربين ودولرة الأجور، إلى جانب عودة نسبية للنشاط السياحي والعقاري وقطاع البناء.

وعلى المستوى المالي، ارتفعت الإيرادات بنحو 49% مقابل زيادة في الإنفاق بلغت نحو 27%، ما أدى إلى تسجيل فائض عام يقارب 3.9% من الناتج المحلي خلال 2025.

 

كما تراجع التضخم إلى نحو 14.6%، وتحسنت بعض مؤشرات الأمن الغذائي.

 

لكن هذا التعافي بقي محدوداً، إذ جاء بعد انكماش تراكمي للناتج المحلي بنحو 40% منذ 2019، فيما ظل القطاع المصرفي عاجزاً عن استعادة دوره الطبيعي في استقبال الودائع وتوفير التمويل.

 

وجاء التصعيد العسكري في 2026 ليعيد الاقتصاد إلى مسار الانكماش، مع توقع ارتفاع التضخم إلى نحو 17.5%، نتيجة تراجع السياحة والاستهلاك واضطراب سلاسل التوريد واستمرار النزوح.

 

وتشير التقديرات إلى بقاء نحو 360 ألف شخص نازحين، بعدما تجاوز العدد 1.2 مليون في ذروة النزاع، فيما قدّر البنك الدولي أثر الحرب على النمو بنحو 10.4 نقاط مئوية مقارنة بسيناريو عدم وقوعها.

 

الدين.. مشكلة لم تُحسم

 

تكشف أوضاع الدين اللبناني جانباً آخر من الأزمة، إذ أبقت «ستاندرد آند بورز» في تصنيفها الصادر في 14 آب 2026 الدين بالعملة المحلية عند مستوى +CCC، بينما ظل تصنيف الديون بالعملة الأجنبية عند SD، أي التعثر الانتقائي.

 

وتراجع الدين بالليرة إلى نحو 2% من الناتج المحلي بنهاية 2024، مقارنة بنحو 100% قبل 2020، لكن هذا الانخفاض لا يعكس سداداً فعلياً بقدر ما يرتبط بانهيار سعر الصرف والتضخم.

 

في المقابل، لا يزال دين اليوروبوند عالقاً منذ إعلان لبنان التوقف عن السداد في آذار 2020، ما يجعل إعادة هيكلته شرطاً أساسياً لاستعادة الوصول إلى الأسواق المالية الدولية.

 

كما يشكل احتياطي الذهب لدى مصرف لبنان ورقة محدودة الاستخدام، في ظل القيود القانونية التي تمنع بيعه أو استخدامه لسداد الدين الخارجي من دون تشريع جديد من البرلمان.

 

صندوق النقد في قلب المعالجة

 

يمثل الاتفاق مع صندوق النقد الدولي أحد المفاتيح الرئيسية لإعادة بناء الثقة وفتح الطريق أمام التمويل الخارجي وإعادة هيكلة الدين.

 

غير أن الاتفاق يرتبط بإصلاح القطاع المصرفي وحسم الفجوة المالية، إذ إن أي معالجة شاملة تتطلب تحديد حجم الخسائر وتوزيعها بوضوح بين الأطراف المعنية.

 

وأقر البرلمان اللبناني قانوناً لإصلاح المصارف وإعادة تنظيمها، في خطوة اعتبرها صندوق النقد تقدماً مهماً، لكن القانون لا يحسم وحده كيفية تغطية الخسائر المتراكمة.

 

ويُعد قانون الفجوة المالية محورياً في تحديد آليات توزيع الخسائر، خصوصاً أن خسائر المصارف مرتبطة بصورة وثيقة بالتعرض للدين السيادي.

 

إعادة الإعمار تحتاج إلى تمويل

 

تضيف كلفة إعادة الإعمار عبئاً جديداً إلى الأزمة المالية.

 

وقدّر البنك الدولي احتياجات التعافي وإعادة الإعمار الناتجة عن نزاع 2023-2024 بنحو 11 مليار دولار، ضمن أضرار وخسائر اقتصادية إجمالية بلغت نحو 14 مليار دولار.

 

ومن إجمالي الاحتياجات، يُتوقع أن يتطلب القطاع العام تمويلاً يتراوح بين 3 و5 مليارات دولار، بينما يحتاج القطاع الخاص إلى نحو 6 إلى 8 مليارات دولار، خصوصاً في الإسكان والتجارة والصناعة والسياحة.

 

وأطلق البنك الدولي مشروع المساعدة الطارئة للبنان بقيمة تصل إلى مليار دولار، مع مساهمة أولية تبلغ 250 مليون دولار.

 

لكن استمرار التصعيد خلال 2026 يرفع فاتورة الخسائر والإعمار، في وقت أشار فيه وزير المالية إلى أن الخسائر المباشرة وغير المباشرة منذ 2023 قد تصل إلى نحو 20 مليار دولار.

 

أربعة مسارات للإصلاح

 

تتركز المعالجة المطلوبة في أربعة مسارات مترابطة:

 

أولاً: إصلاح القطاع المصرفي عبر تحديد المصارف القابلة للاستمرار وتلك التي تحتاج إلى إعادة هيكلة أو تصفية، بالتزامن مع وضع آلية واضحة لتوزيع الخسائر.

 

ثانياً: الاتفاق مع صندوق النقد باعتباره بوابة لاستعادة الثقة وفتح المجال أمام التمويل الدولي وإعادة هيكلة الدين الخارجي.

 

ثالثاً: تأمين تمويل إعادة الإعمار مع جذب الاستثمارات الخاصة وتوفير الموارد اللازمة لإعادة بناء القطاعات المتضررة.

 

رابعاً: الإصلاحات القطاعية والحوكمة بما يشمل الكهرباء والاتصالات والقطاع العام وتعزيز الشفافية واستقلالية المؤسسات.

 

ثلاثة سيناريوهات أمام لبنان

 

في ظل الوضع الحالي، تبدو أمام لبنان ثلاثة مسارات رئيسية.

 

السيناريو الأول هو الجمود، حيث تبقى الإصلاحات محدودة ويظل الاتفاق مع صندوق النقد معلقاً، ما يعني استمرار شلل القطاع المصرفي وصعوبة الحصول على تمويل لإعادة الإعمار.

 

السيناريو الثاني هو المعالجة التدريجية عبر استكمال القوانين الإصلاحية وإبرام اتفاق مع صندوق النقد والبدء بإعادة هيكلة المصارف ومعالجة الودائع والخسائر على مراحل، وهو السيناريو الأكثر واقعية.

 

أما السيناريو الثالث فهو الاختراق الشامل، ويتطلب توافقاً سياسياً واسعاً يسمح بإطلاق برنامج الإصلاح وتحرير حزم التمويل الدولية والإقليمية بسرعة، لكنه يظل الأقل احتمالاً بسبب ارتباطه بعوامل سياسية وأمنية تتجاوز الاقتصاد.

 

أزمة قرار قبل أن تكون أزمة حلول

 

تكشف الأزمة اللبنانية أن المشكلة لا تكمن في غياب الخيارات الاقتصادية، بل في صعوبة اتخاذ القرار السياسي بشأن توزيع الخسائر.

 

فالإصلاح المصرفي، وإعادة هيكلة الدين، والاتفاق مع صندوق النقد، وتمويل إعادة الإعمار، كلها ملفات مترابطة، ولا يمكن إنجاز أحدها بصورة مستقلة عن الآخر.

 

وأظهر عام 2025 أن الاقتصاد اللبناني قادر على تحقيق ارتداد عندما تتوفر مساحة من الاستقرار، بينما أثبت عام 2026 أن هذا التعافي يظل هشاً ما لم يستند إلى إصلاحات بنيوية واستقرار أمني.

 


يرى مراقبون اقتصاديون أن الخروج من الأزمة اللبنانية يتطلب تزامن ثلاثة مسارات أساسية: قراراً سياسياً يحسم توزيع الخسائر، وبرنامجاً إصلاحياً يستعيد الثقة الدولية، واستقراراً أمنياً يسمح للاقتصاد باستعادة نشاطه.

 

ويحذر المراقبون من أن استمرار تأجيل المعالجة سيؤدي إلى تراكم خسائر إضافية في قيمة العملة والثقة والاستثمار، ويرفع كلفة أي خطة إنقاذ مستقبلية.

 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 3 + 5

اقرأ أيضاً