اختبار الدولة
تتجه الحكومة العراقية إلى خطوات أكثر وضوحاً لحصر السلاح بيد المؤسسات الأمنية الرسمية، في مسعى لإنهاء أي مظهر لوجود قيادة عسكرية موازية للدولة، وسط ملف شديد الحساسية تتداخل فيه الحسابات السياسية والأمنية والإقليمية.
وتؤكد المعطيات أن بغداد تحاول الانتقال من إدارة العلاقة مع االأحزاب المسلحة إلى وضع قواعد أكثر صرامة بشأن احتكار الدولة للقرار العسكري، من دون الانزلاق إلى مواجهة داخلية قد تهدد الاستقرار الهش في البلاد.
اقرأ أيضاً: سفينة تزرع الألغام.. تركيا توسّع قدراتها البحرية
حصر السلاح
كشف مصدر أمني عراقي أن الإجراءات الحكومية تستهدف التشكيلات التي تعمل خارج إطار المؤسسات الأمنية الرسمية، بهدف ضمان عدم وجود أي جهة تمتلك السلاح أو تستخدمه بصورة مستقلة عن الدولة.
وأوضح أن هيئة الحشد الشعبي، وفق القانون العراقي، تُعد جزءاً من القوات المسلحة، ويخضع منتسبوها للقوانين العسكرية النافذة، فيما تتركز الإجراءات الحالية على التشكيلات التي لا تعمل ضمن الأطر الرسمية.
ويأتي ذلك في وقت تمكنت فيه الأجهزة الأمنية، في مناطق عدة، من ضبط متهمين بتصنيع طائرات مسيّرة محلية، بالتزامن مع استمرار الإجراءات الأمنية في بغداد ومحافظات أخرى لمنع أي نشاط عسكري خارج المؤسسات الرسمية.
اقرأ أيضاً: حرب إيران تستنزف "باتريوت".. مخاوف من فجوة دفاعية في أوروبا
ملف شديد الحساسية
يمثل السلاح أحد أكثر الملفات تعقيداً في العراق، نظراً لتداخله مع التوازنات السياسية الداخلية والارتباطات الإقليمية والدولية.
وتسعى بغداد إلى إعادة تنظيم المنظومة الأمنية ومنع تعدد مراكز القرار العسكري، خصوصاً في ظل وجود فصائل تمتلك أذرعاً سياسية وبرلمانية وقواعد تنظيمية واسعة.
نفوذ الأحزاب
ويرى خبراء في الشؤون الاستراتيجية أن هناك أحزاب تمتلك امتدادات سياسية وبرلمانية تجعل أي محاولة لتقليص قوتها العسكرية بصورة جذرية مهمة شديدة التعقيد.
ويشير الخبراء إلى أن المواجهة المباشرة تمثل أحد أبرز التحديات أمام الحكومة العراقية، التي أعلنت في أكثر من مناسبة تفضيل الحوار والتفاهم التدريجي، تجنباً لفتح جبهة داخلية قد تهدد الاستقرار وتستنزف الدولة.
كما يحظى ملف حصر السلاح باهتمام أمريكي وغربي وإقليمي، في ظل ارتباط مستقبل الشراكات الأمنية والدعم طويل الأمد بقدرة بغداد على الحد من نشاط الأحزاب المسلحة خارج مؤسسات الدولة.
حسابات الجوار
لا يقتصر التحدي على الداخل العراقي، إذ تحرص أطراف إقليمية على عدم تحول العراق إلى منصة لاستهداف دول الجوار أو ساحة لتصفية الحسابات.
ويضع ذلك الحكومة أمام معادلة دقيقة بين تعزيز سلطة الدولة والحفاظ على التوازنات السياسية والأمنية والإقليمية.
وتتواصل المشاورات مع عدد من الأحزاب، بينها حركة النجباء وكتائب سيد الشهداء وكتائب حزب الله العراقي وسرايا أولياء الدم وأصحاب الكهف، بينما أعلنت سرايا السلام وعصائب أهل الحق وكتائب الإمام علي تسليم سلاحها والانخراط في العمل المدني.
ويعكس تباين مواقف الأحزاب حجم التحدي أمام بغداد، إذ لا تبدو جميع التشكيلات مستعدة للتعامل مع مشروع حصر السلاح بالطريقة نفسها.
إعادة هندسة
ويرى باحثين في الشؤون العربية أن التحرك الحكومي لا يمثل بالضرورة تفكيكاً جذرياً لنفوذ الأحزاب المسلحة ، بقدر ما يعكس محاولة لإعادة تنظيم العلاقة بين الدولة والقوى المسلحة خارج أطرها.
ويضيف الخبراء أن بغداد تسعى إلى تطويق المظاهر المسلحة العلنية، وتقليص هامش الحركة خارج القانون، ودمج الهياكل التي يمكن استيعابها ضمن المؤسسات الرسمية.
غير أن نجاح هذه العملية سيبقى مرتبطاً بقدرة الدولة على توفير مظلة أمنية وسياسية واقتصادية قادرة على استيعاب عناصر الأحزاب وإقناعها بأن قوة الدولة تمثل الضمانة الأساسية لجميع الأطراف.
الاختبار الحقيقي
لا تبدو معركة حصر السلاح في العراق مجرد إجراء أمني، بل اختباراً لقدرة الدولة على توحيد القرار العسكري وإنهاء تعدد مراكز القوة، من دون دفع البلاد نحو صدام داخلي.
ويبقى التحدي الأكبر أمام بغداد هو تحويل القرارات والإجراءات إلى واقع مستدام، يضمن خضوع السلاح والقرار العسكري لقيادة واحدة، ويحافظ في الوقت نفسه على الاستقرار السياسي والأمني في البلاد.