يواجه نفوذ الجماعات المؤيدة لإسرائيل داخل الولايات المتحدة اختبارًا جديدًا، في ظل تغيرات متسارعة في المزاج الشعبي الأمريكي تجاه إسرائيل، بالتزامن مع استمرار حضور هذه الجماعات داخل الكونغرس والانتخابات ومراكز صنع القرار.
وبحسب مقال نشرته الجزيرة، فإن المفارقة الأبرز تتمثل في استمرار قوة أدوات النفوذ السياسي والمالي للجماعات المؤيدة لإسرائيل، مقابل تراجع الغطاء الشعبي الذي منح هذا النفوذ، على مدى عقود، مساحة واسعة من القبول السياسي.
وتشير القراءة إلى أن المشكلة لم تعد في قدرة هذه الجماعات على الوصول إلى السياسيين أو التأثير في الانتخابات وصناعة القرار، وإنما في احتمال أن يجد السياسي الأمريكي نفسه مضطرًا إلى اتخاذ مواقف تتعارض بصورة متزايدة مع توجهات شريحة من ناخبيه، بما يوسع الفجوة بين المؤسسة السياسية والمجتمع.
اقرأ أيضاً: بعد تسريبات أمنية.. تحقيقات داخل جهاز حماية ترامب
كتاب يعيد فتح ملف اللوبي
ويتزامن هذا النقاش مع صدور كتاب "اللوبي الإسرائيلي: أمريكا في قبضة قوة أجنبية" للصحفي الاستقصائي إيلي كليفتون وأستاذ العلوم السياسية إيان لوستيك، والذي يتناول نفوذ الجماعات المؤيدة لإسرائيل داخل النظام السياسي الأمريكي وآليات تأثيرها في الانتخابات والكونغرس والسياسة الخارجية.
وبحسب الجزيرة، لا يقتصر الكتاب على بحث حجم نفوذ اللوبي، وإنما يطرح سؤالًا أكثر ارتباطًا بالمرحلة الحالية: ماذا يحدث عندما يستمر النفوذ السياسي في الاحتفاظ بقوته، في الوقت الذي تبدأ فيه القاعدة الشعبية المؤيدة للسياسات التي يدافع عنها بالتراجع؟
ويركز الكتاب على المال السياسي وشبكات المانحين وجماعات الضغط، وكيف ساهمت هذه المنظومة في جعل اتخاذ مواقف مخالفة للجماعات المؤيدة لإسرائيل أكثر كلفة بالنسبة إلى عدد من السياسيين الأمريكيين.
لكن التحولات الأخيرة في الرأي العام تفتح الباب أمام معادلة مختلفة، إذ لم يعد السياسي يخشى فقط خسارة دعم جماعات الضغط، وإنما قد يبدأ أيضًا في حساب الكلفة التي يمكن أن يفرضها الارتباط العلني بها على فرصه الانتخابية.
اقرأ أيضاً: بين الاستيطان والضم.. حكومة نتنياهو تصعّد في الضفة
انقلاب في المزاج الأمريكي
وتظهر استطلاعات الرأي حجم التحول في النظرة إلى إسرائيل داخل المجتمع الأمريكي.
ففي ربيع 2022، كان 55% من الأمريكيين ينظرون إلى إسرائيل بصورة إيجابية، مقابل 42% يحملون نظرة سلبية، وفق بيانات مركز بيو للأبحاث.
وبحلول ربيع 2026، تراجعت النظرة الإيجابية إلى 37%، مقابل ارتفاع النظرة السلبية إلى 60%.
كما أظهر استطلاع المركز أن 59% من الأمريكيين لديهم ثقة ضئيلة أو معدومة برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في ما يتعلق بإدارة الشؤون الدولية.
ولا تبدو هذه التغيرات محصورة في الانقسام التقليدي بين الديمقراطيين والجمهوريين، بل تمتد أيضًا إلى الأجيال الأصغر داخل الحزب الجمهوري.
وبحسب بيانات بيو لعام 2026، يحمل 57% من الجمهوريين الذين تقل أعمارهم عن 50 عامًا نظرة سلبية تجاه إسرائيل، بينما تصل النسبة إلى نحو 80% بين الديمقراطيين والمستقلين المائلين إلى الحزب الديمقراطي.
وتشير هذه الأرقام إلى تحول يتجاوز الخلاف الحزبي التقليدي، ليتخذ طابعًا جيليًا وسياسيًا أوسع.
اقرأ أيضاً: كندا ترد على ترامب بضربة تجارية تطال 700 سلعة أميركية
الجيل الجديد يغير المعادلة
ويبدو أن العامل الأكثر أهمية بالنسبة إلى مستقبل النفوذ المؤيد لإسرائيل لا يتعلق فقط بمواقف الناخبين الحاليين، وإنما بتوجهات الأجيال الجديدة.
فالأمريكيون الأصغر سنًا تشكل وعيهم السياسي في بيئة مختلفة عن الأجيال التي نشأت على خلفية حرب عام 1967 والتحالف التقليدي بين واشنطن وتل أبيب.
وتدخل في تشكيل مواقف هذه الأجيال ملفات غزة والاستيطان والضفة الغربية، إلى جانب الاحتجاجات الجامعية والنقاشات المتعلقة بالمساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل.
وبالتالي، فإن العلاقة الأمريكية-الإسرائيلية قد تتحول تدريجيًا من قضية تحظى بإجماع سياسي واسع إلى ملف قابل للنقاش والمساومة والمحاسبة الانتخابية، على غرار بقية ملفات السياسة الخارجية.
حتى الجمهوريون أمام تغيرات
ولا يقتصر التحول على التيار الديمقراطي، إذ بدأت مؤشرات مشابهة تظهر داخل الحزب الجمهوري نفسه، رغم استمرار الجمهوريين في إظهار مستويات تأييد أعلى لإسرائيل مقارنة بالديمقراطيين.
وبحسب المعطيات الواردة في المقال، تراجعت نسبة التعاطف مع الإسرائيليين بين الجمهوريين خلال السنوات الأخيرة، ما يعكس تغيرًا تدريجيًا في الموقف داخل قاعدة كانت تُعد من أكثر القواعد السياسية الأمريكية دعمًا لإسرائيل.
ويفتح ذلك الباب أمام خطاب جديد داخل اليمين الأمريكي يقوم على مبدأ "أمريكا أولًا"، ويتساءل عن حدود الالتزام الأمريكي تجاه إسرائيل عندما تتعارض بعض سياساتها مع المصالح أو الحسابات الداخلية الأمريكية.
السياسة الانتخابية تكشف التحول
وبدأت هذه التغيرات تظهر في الحسابات الانتخابية بصورة أكثر وضوحًا.
فبحسب ما أوردته الجزيرة نقلًا عن تقرير لـ"أكسيوس"، طلب حلفاء المرشح الجمهوري لمجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان مايك روجرز من لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية "أيباك" عدم إظهار دعمها له بصورة علنية، خشية أن يتحول ارتباطه بها إلى عبء انتخابي في ظل تغير المواقف تجاه إسرائيل والحرب في غزة.
وتكتسب هذه الواقعة أهمية خاصة بالنظر إلى الدور المالي الذي لعبته "أيباك" في الانتخابات الأمريكية، بعدما أنفقت مبالغ كبيرة في عدد من السباقات الانتخابية خلال السنوات الماضية.
وهنا تظهر مفارقة سياسية لافتة: أن يصبح الحصول على دعم جماعة ضغط قوية أمرًا قد يفضل بعض المرشحين إخفاءه بدلًا من استخدامه كوسيلة لتعزيز فرصهم الانتخابية.
النفوذ لا يعني الشرعية
ورغم ذلك، لا يعني تغير الرأي العام أن نفوذ اللوبي المؤيد لإسرائيل انتهى أو أنه في طريقه إلى الزوال القريب.
فالجماعات المؤيدة لإسرائيل لا تزال تمتلك موارد مالية ضخمة، وشبكات واسعة داخل الحزبين الجمهوري والديمقراطي، وعلاقات متجذرة مع المشرعين، فضلًا عن قدرة مؤثرة على التدخل في الانتخابات التمهيدية.
لكن المشكلة الأساسية تكمن في الفرق بين النفوذ والشرعية الشعبية.
فقد تتمكن جماعة ضغط من التأثير في نتيجة انتخابات محددة أو رفع الكلفة السياسية على مرشح، لكنها لا تستطيع بالسهولة نفسها إعادة تشكيل قناعات جيل كامل من الناخبين.
وهنا تكمن إحدى أبرز المفارقات التي يسلط عليها الكتاب الضوء: إمكانية أن يصل النفوذ المؤسسي لجماعات الضغط إلى مستويات مرتفعة في الوقت نفسه الذي يبدأ فيه الأساس الشعبي الذي تستند إليه بالتراجع.
إلى أين تتجه العلاقة؟
وتشير هذه التحولات إلى أن السؤال لم يعد فقط حول مدى قوة اللوبي المؤيد لإسرائيل في واشنطن، وإنما حول المدة التي يستطيع خلالها الحفاظ على نفوذ سياسي يفوق مستوى التأييد الشعبي لبعض السياسات التي يدافع عنها.
فالمال يستطيع تأجيل التغيير، وجماعات الضغط تستطيع رفع تكلفة المعارضة، والمؤسسات السياسية تستطيع مقاومة التحولات في الرأي العام لفترة طويلة، لكن من الصعب وقف التحولات الاجتماعية والجيلية بصورة دائمة.
وبحسب القراءة التي عرضتها الجزيرة، قد تصبح المعركة المقبلة حول إسرائيل في الولايات المتحدة مرتبطة بسؤال أوسع من مستقبل الشرق الأوسط، وهو سؤال يتعلق بطبيعة الديمقراطية الأمريكية نفسها: من يحدد اتجاه السياسة الخارجية، المؤسسات وشبكات المال والنفوذ، أم الناخبون الذين تتغير مواقفهم بسرعة؟
وفي حال استمرت الفجوة بين توجهات الرأي العام ومواقف المؤسسة السياسية في الاتساع، فإن العلاقة الأمريكية-الإسرائيلية قد تدخل مرحلة جديدة، تتحول فيها من قضية تحظى بحماية سياسية واسعة إلى ملف انتخابي قابل للنقاش والمساءلة.
وقد لا يعني ذلك نهاية النفوذ المؤيد لإسرائيل في واشنطن، لكنه قد يعني أن الحفاظ على هذا النفوذ سيصبح أكثر تكلفة سياسيًا، خصوصًا مع دخول أجيال جديدة إلى الحياة الانتخابية الأمريكية.