من داعش إلى دمشق.. رحلة صعود قسد

وكالة أنباء آسيا

2026.08.26 - 23:23
Facebook Share
طباعة

بعد نحو 11 عاماً على تأسيسها، وصلت "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) إلى محطتها الأخيرة كقوة عسكرية مستقلة، بعدما أعلن قائدها مظلوم عبدي، في 25 آب 2026، انتهاء مهمتها وحلها واندماج قواتها ضمن مؤسسات الدولة السورية.
وخلال أكثر من عقد، انتقلت "قسد" من تحالف عسكري تشكل في خضم الحرب ضد تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش)، إلى واحدة من أبرز القوى العسكرية في سوريا، قبل أن تصبح طرفاً رئيسياً في المعادلة السياسية والعسكرية شمال شرقي البلاد، وتسيطر في ذروة نفوذها على مساحات واسعة من الأراضي السورية.
لكن مسارها انتهى تدريجياً مع تغير موازين القوى بعد سقوط نظام بشار الأسد، ودخولها في مفاوضات مباشرة مع الحكومة السورية انتهت باتفاقات للدمج ثم إعلان حلها.

اقرأ أيضاً: الحسكة تختبر وعود ما بعد حل قسد


من وحدات الحماية إلى قسد
تعود جذور "قسد" إلى "وحدات حماية الشعب" (YPG) و"وحدات حماية المرأة" (YPJ)، اللتين برزتا في شمال شرقي سوريا بعد اندلاع الثورة عام 2011، واستفادتا من انسحاب قوات النظام السابق من مناطق واسعة في المنطقة لتوسيع حضورهما العسكري والإداري.
وفي 10 تشرين الأول 2015، أُعلن تأسيس "قوات سوريا الديمقراطية" كتحالف عسكري ضم تشكيلات كردية وعربية وسريانية وآشورية وتركمانية، فيما بقيت "وحدات حماية الشعب" القوة الأكثر تأثيراً داخله.
وحظيت "قسد" بدعم عسكري مباشر من التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، خصوصاً في الحرب ضد تنظيم "الدولة الإسلامية".

اقرأ أيضاً: بعد قسد.. هل تخسر السويداء رهان الخارج؟


الحرب على داعش
كان تنظيم "الدولة الإسلامية" العامل الأبرز في صعود "قسد"، إذ خاضت القوات بدعم جوي وعسكري من التحالف الدولي معارك واسعة ضد التنظيم في شمال وشرق سوريا.
وفي عام 2016، تمكنت "قسد" من السيطرة على مدينة منبج، قبل أن تحقق واحداً من أبرز انتصاراتها بالسيطرة على مدينة الرقة في تشرين الأول 2017، بعدما كانت المدينة تمثل مركز الثقل الرئيسي لتنظيم "الدولة" في سوريا.
وفي آذار 2019، أعلنت "قسد" السيطرة على الباغوز في ريف دير الزور الشرقي، منهية بذلك الوجود الجغرافي لتنظيم "الدولة" في سوريا، رغم استمرار نشاط خلاياه في مناطق مختلفة.
ومع انتهاء المعارك الكبرى ضد التنظيم، تحولت مهمة "قسد" تدريجياً من القتال للسيطرة على الأراضي إلى ملاحقة الخلايا، وإدارة السجون والمخيمات التي تضم آلاف المشتبه بارتباطهم بالتنظيم وعائلاتهم.

اقرأ أيضاً: تحرك إسرائيلي جديد في الجنوب السوري يصل إلى جملة


صعود النفوذ والسيطرة على الموارد
بالتوازي مع توسعها العسكري، أصبحت "قسد" القوة العسكرية الرئيسية لـ"الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا"، التي أدارت مناطق واسعة في الحسكة والرقة وأجزاء من دير الزور وريف حلب.
وامتد نفوذها إلى مناطق استراتيجية تضم حقولاً رئيسية للنفط والغاز، إضافة إلى معابر حدودية مع العراق، فيما أصبحت المنطقة الخاضعة لإدارتها واحدة من أهم مراكز إنتاج الطاقة في سوريا.
هذا التوسع منح "قسد" وزناً عسكرياً واقتصادياً وسياسياً كبيراً، لكنه وضعها أيضاً في مواجهة مباشرة مع أطراف إقليمية ومحلية عدة.


تركيا تدخل على خط المواجهة
كانت تركيا من أبرز المعارضين لتوسع "قسد"، بسبب ارتباط مكونها العسكري الرئيسي بـ"وحدات حماية الشعب" التي تعتبرها أنقرة امتداداً لحزب العمال الكردستاني.
وشهدت السنوات التالية عدة عمليات عسكرية تركية وفصائل سورية مدعومة منها، كان أبرزها "درع الفرات" عام 2016، و"غصن الزيتون" عام 2018، التي انتهت بسيطرة القوات المدعومة من تركيا على منطقة عفرين، ثم "نبع السلام" عام 2019، التي استهدفت مناطق تل أبيض ورأس العين.
وأدت هذه العمليات إلى تقليص نطاق سيطرة "قسد" على أجزاء واسعة من الشريط الحدودي مع تركيا، ودفعها إلى عقد تفاهمات مع روسيا والحكومة السورية السابقة للسماح بانتشار قوات حكومية في بعض المناطق الحدودية بهدف وقف التقدم التركي.


علاقة حذرة مع دمشق
طوال سنوات حكم بشار الأسد، بقيت العلاقة بين دمشق و"قسد" محكومة بالتوتر والحذر.
ففي الوقت الذي حافظت فيه القوات الكردية على إدارة مناطق واسعة خارج سيطرة الحكومة، استمر وجود مؤسسات حكومية وأمنية في أجزاء من الحسكة والقامشلي، فيما رفضت دمشق الاعتراف بالإدارة الذاتية ككيان مستقل.
وشهدت السنوات التالية جولات تفاوض متقطعة بين الطرفين، لكنها لم تؤد إلى اتفاق نهائي بشأن شكل الإدارة ومستقبل القوات الكردية ومصير المؤسسات التابعة لها.


سقوط النظام يغيّر المعادلة
شكّل سقوط نظام الأسد في كانون الأول 2024 نقطة تحول رئيسية في مسار "قسد"، مع انتقال سوريا إلى مرحلة سياسية وعسكرية جديدة بقيادة الحكومة السورية.
وفي 10 آذار 2025، وقع الرئيس السوري أحمد الشرع ومظلوم عبدي اتفاقاً تضمن وقف إطلاق النار، ودمج المؤسسات العسكرية والمدنية التابعة لـ"قسد" ضمن مؤسسات الدولة، إلى جانب إعادة المعابر والحقول النفطية والمطارات إلى إدارة الدولة، وضمان حقوق المواطنين الكرد ضمن الدولة السورية.
لكن تنفيذ الاتفاق واجه عقبات كبيرة خلال الأشهر التالية، وشهدت مناطق عدة مواجهات وتوتراً عسكرياً، بالتزامن مع استمرار المفاوضات بشأن آلية الدمج وشكل الإدارة المستقبلية.


معارك حلب والتراجع العسكري
دخل الطرفان مرحلة أكثر توتراً مطلع عام 2026، خصوصاً في أحياء الشيخ مقصود والأشرفية بمدينة حلب، حيث اندلعت مواجهات عنيفة انتهت بسيطرة القوات الحكومية على الحيين عقب اتفاق رعته وساطة دولية، ونقل مقاتلي "قسد" باتجاه مناطق شمال شرقي سوريا.
ولم تتوقف التطورات عند حلب، إذ توسعت العمليات العسكرية باتجاه ريف حلب الشرقي، ثم امتدت إلى مناطق في الرقة ودير الزور والحسكة.
ومع تقدم القوات الحكومية، فقدت "قسد" تدريجياً أجزاء واسعة من مناطق نفوذها، بالتزامن مع استمرار الاتصالات والمفاوضات حول دمج ما تبقى من قواتها ومؤسساتها ضمن مؤسسات الدولة.


إعلان النهاية
في 25 آب 2026، أعلن مظلوم عبدي من قصر الشعب في دمشق انتهاء مهمة "قوات سوريا الديمقراطية" وحلها كقوة عسكرية مستقلة، بعد استكمال دمج قواتها ضمن ألوية الجيش السوري.
وقال عبدي إن سوريا دخلت مرحلة جديدة عنوانها السلام وبناء الدولة، داعياً إلى الانتقال "من ساحات المعارك إلى ساحات البناء، ومن زمن السلاح إلى زمن السلام".
ويمثل الإعلان نهاية مسار استمر أكثر من عقد، تحولت خلاله "قسد" من تحالف عسكري تأسس لمحاربة تنظيم "الدولة الإسلامية" إلى قوة سيطرت على مناطق واسعة من سوريا، وأدارت مؤسسات مدنية وعسكرية وموارد استراتيجية، وخاضت مواجهات مع تنظيم "الدولة" وتركيا وقوى محلية، قبل أن تنتهي إلى خيار الاندماج ضمن الدولة السورية.
لكن نهاية "قسد" كقوة عسكرية مستقلة لا تعني بالضرورة انتهاء جميع الملفات التي نشأت خلال سنوات وجودها، إذ لا تزال قضايا الإدارة المحلية، والحقوق الثقافية، والتعليم باللغة الكردية، والموارد الطبيعية، ومصير العناصر والقادة، وشكل المشاركة السياسية في مؤسسات الدولة، ملفات تنتظر ترتيبات نهائية.
وبذلك، فإن إعلان الحل يطوي فصلاً عسكرياً مهماً من تاريخ الحرب السورية، لكنه يفتح في الوقت نفسه فصلاً جديداً عنوانه كيفية دمج إرث أكثر من عقد من الإدارة والقوة العسكرية ضمن دولة واحدة ومؤسسات موحدة. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 2 + 4