رسالة ثقة
حملت زيارة الوفد الاقتصادي الإماراتي إلى بيروت رسالة سياسية واقتصادية لافتة، في وقت يواجه فيه لبنان واحدة من أصعب مراحله المالية والاقتصادية. وأكد وزير الاقتصاد والتجارة اللبناني عامر البساط أن حضور الوفد الإماراتي رغم الظروف الراهنة يعكس ثقة بأن لبنان لا يزال حاضراً في حسابات المستثمرين وشركائه الإقليميين.
وجاءت المواقف خلال ملتقى لبناني إماراتي خُصص لتعزيز التعاون الاقتصادي وتوقيع مذكرات تفاهم، بحضور رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام ووزير التجارة الخارجية الإماراتي ثاني بن أحمد الزيودي، إلى جانب عدد من الوزراء وممثلي الهيئات الاقتصادية وغرف التجارة والصناعة ومجلسي الأعمال في البلدين.
اقرأ أيضاً: عون يحدد أهداف التفاوض مع إسرائيل في الجنوب
الإصلاح أولاً
قال البساط إن لبنان يمر بمرحلة شديدة الصعوبة، مع استمرار تداعيات الأزمات الاقتصادية والمالية، مؤكداً أن تجاوز الواقع الحالي يتطلب الاعتراف بحجم التحديات والعمل على معالجتها بدلاً من تجاهلها.
وشدد على أن تحويل الإمكانات اللبنانية إلى نمو مستدام يحتاج إلى إصلاحات حقيقية تشمل الاقتصاد والقطاع المصرفي والإطار المالي والخدمات الأساسية وآليات عمل مؤسسات الدولة.
وأكد الوزير اللبناني أن الإصلاح الاقتصادي لا ينفصل عن ترسيخ سيادة الدولة وحصرية السلاح واحتكار قرار الحرب والسلم، معتبراً أن توفير هذه الشروط يمثل أساساً ضرورياً لاستعادة ثقة المستثمرين وتحفيز النشاط الاقتصادي.
اقرأ أيضاً: تذبذب النفط يؤجل تسعيرة المحروقات في لبنان
فرص رغم الأزمة
أشار البساط إلى أن لبنان يمتلك مقومات إنتاجية تتجاوز بكثير حجم اقتصاده الحالي، في ظل وجود قطاع خاص نشط وكفاءات بشرية واسعة وعلاقات اقتصادية متينة مع المنطقة والعالم.
ورأى الوزير اللبناني أن الفرص الاستثمارية الكبرى قد تبدأ بالظهور قبل اكتمال التعافي، عندما تصبح مؤشرات الإصلاح والاستقرار أكثر وضوحاً، معتبراً أن زيارة الوفد الإماراتي تأتي في توقيت يحمل دلالة مهمة بالنسبة إلى القطاع الخاص اللبناني.
وأضاف البساط أن التعافي ينبغي أن يكون في جوهره مشروعاً يقوده القطاع الخاص، مستشهداً بالتجربة الإماراتية في توفير بيئة الأعمال المناسبة، من خلال وضوح القواعد وتسهيل الاستثمار والانفتاح على رؤوس الأموال والكفاءات والأسواق العالمية.
اقرأ أيضاً: الجيش اللبناني يتولى إعمار الجنوب ويقلّص دور مجلس الجنوب
شراكة أوسع
دعا البساط إلى الانتقال بالعلاقات الاقتصادية اللبنانية الإماراتية من التعاون التقليدي إلى شراكة أكثر عمقاً، تشمل التجارة والاستثمار ونقل المعرفة وربط الشركات والأسواق.
واقترح الوزير اللبناني البدء في استكشاف إطار اقتصادي خاص بين البلدين، بما يتيح توسيع مجالات التعاون والاستفادة من الخبرات الإماراتية في تطوير بيئة الأعمال والانفتاح التجاري.
وفي هذا السياق، أشار البساط إلى أن الإمارات أبرمت 38 اتفاقية مع دول حول العالم خلال السنوات الخمس الماضية، معتبراً أن لبنان تأخر في بناء شبكة مماثلة من الشراكات الاقتصادية، وأن المرحلة الحالية تستدعي تغيير هذا المسار.
الإمارات شريك محتمل
وأكد البساط أن العلاقة بين لبنان والإمارات تستند إلى روابط اقتصادية وإنسانية متراكمة، مشيراً إلى أن جزءاً مهماً من قطاع الأعمال اللبناني وجد في الإمارات خلال السنوات الماضية بيئة حاضنة للنشاط والاستثمار.
وقال إن المطلوب هو البناء على هذه العلاقة التاريخية وتحويلها إلى شراكة اقتصادية أكثر تنظيماً، لا تقتصر على الشركات والاستثمارات، بل تمتد إلى نقل التجربة والخبرة وربط الأسواق.
اختبار الثقة
رغم حجم التحديات التي يواجهها لبنان، يرى البساط أن البلاد لا تزال تمتلك مقومات حقيقية للنهوض، شرط الجمع بين الإصلاح والسيادة وتهيئة بيئة مستقرة للاستثمار.
وتكتسب المشاركة الإماراتية في بيروت أهمية خاصة في هذا السياق، باعتبارها إشارة إلى استمرار الاهتمام بلبنان وإمكاناته الاقتصادية، فيما يبقى التحدي الأساسي أمام الدولة اللبنانية هو تحويل هذه الثقة إلى إصلاحات ملموسة قادرة على جذب رأس المال واستعادة النمو.