الجيش اللبناني يتولى إعمار الجنوب ويقلّص دور مجلس الجنوب

2026.08.26 - 10:30
Facebook Share
طباعة

يحاول الجيش اللبناني ترسيخ حضوره في جنوب البلاد عبر الانتقال من الدور الأمني إلى المشاركة المباشرة في إعادة تأهيل الطرق والبنى التحتية، في خطوة تفتح مواجهة جديدة حول الجهة التي ستتولى إدارة الإعمار وتقديم الخدمات للسكان بعد سنوات ارتبط فيها هذا الملف بمجلس الجنوب وشبكات النفوذ السياسي والاجتماعي المرتبطة بحركة أمل وحزب الله.

 

كشف تقرير لصحيفة «الغارديان» البريطانية أن الجيش يتولى إصلاح الطرق والبنى التحتية في مناطق تجريبية انتقلت إلى مسؤوليته، بينما لم يعد مجلس الجنوب يدير عملية الإعمار بالطريقة التي اتبعها بعد حروب سابقة.

 

لا تبدو الخطوة مجرد تعديل في توزيع الأدوار بين مؤسسات الدولة، إذ إن الجهة التي تتولى إعادة فتح الطرق وترميم المدارس والمرافق العامة ودفع التعويضات تصبح حاضرة بصورة مباشرة في حياة السكان، وتتحول مع الوقت إلى مرجعية أساسية في المناطق التي تعرضت للدمار.

 

الإعمار يتحول إلى ورقة نفوذ

 

شكّل مجلس الجنوب طوال عقود قناة رئيسية لإدارة جزء من العلاقة بين الدولة وسكان المناطق الجنوبية، خصوصاً خلال مراحل ما بعد الحروب والاعتداءات الإسرائيلية.

 

ارتبط عمل المجلس بملفات التعويضات وتنفيذ المشاريع وإعادة تأهيل البنى التحتية، ما جعله حاضراً في القرى والبلدات المتضررة، إلى جانب شبكات الخدمات المرتبطة بالقوى السياسية المحلية.

 

تغيير الجهة التي تتولى هذه الملفات يكتسب لذلك بعداً سياسياً يتجاوز الجانب الإداري، لأن إعادة إعمار منزل أو طريق أو مدرسة لا تعني فقط إزالة آثار الحرب، بل تخلق أيضاً علاقة مباشرة بين السكان والجهة التي توفر لهم هذه الخدمات.

اقرأ أيضاً:واشنطن تستأنف تعزيز طاقمها الدبلوماسي في بيروت

 

لماذا أُبعد مجلس الجنوب؟

 

يطرح التحول أسئلة حول الجهة التي اتخذت قرار إبعاد مجلس الجنوب عن إدارة عملية الإعمار، وما إذا كان الأمر مرتبطاً بقرار رسمي صادر عن مجلس الوزراء أو بتفاهمات أمنية وسياسية مرتبطة بالمناطق التجريبية.

 

كما تبرز تساؤلات حول مصادر تمويل المشاريع التي ينفذها الجيش، وحجم الأموال المتاحة أمام الدولة اللبنانية، وما إذا كانت التجربة ستبقى محصورة في مناطق محددة أم ستتوسع لاحقاً إلى بقية قرى الجنوب.

 

وتزداد أهمية هذه الأسئلة مع اقتراب مرحلة تحتاج إلى تمويل واسع لإعادة بناء المنازل والمنشآت العامة وشبكات الطرق والمياه والكهرباء.

 

الدولة تدخل إلى مساحة نفوذ تقليدية

 

يحمل انتقال ملف البنى التحتية إلى الجيش دلالة على محاولة الدولة تعزيز حضورها المباشر في مناطق ارتبطت لسنوات بمنظومة خدمات ونفوذ تقودها قوى سياسية محلية.

 

تريد المؤسسات الرسمية، وفق ما أورده التقرير، أن يصبح السكان أكثر ارتباطاً بالدولة في الحصول على الخدمات الأساسية، بدلاً من اعتمادهم على مؤسسات وشبكات خارج الإطار الرسمي.

اقرأ أيضاً:السوريون في لبنان.. رسوم جديدة على طاولة البلديات

 

يمنح هذا الدور الجيش كذلك قدرة أكبر على مراقبة طبيعة المشاريع التي يجري تنفيذها، والتأكد من عدم استغلال عمليات الإعمار لإعادة إنشاء مواقع أو منشآت عسكرية.

 

إسرائيل تهدم والدولة تحاول البناء

 

تواجه هذه السياسة تحدياً أساسياً يتمثل في استمرار العمليات الإسرائيلية في جنوب لبنان، الأمر الذي يجعل عملية إعادة الإعمار مرتبطة بقدرة الدولة على حماية المناطق التي تعمل على إعادة تأهيلها.

 

وأشار تقرير «الغارديان» إلى أن القوات الإسرائيلية فجرت مبنى بلدياً ومدرسة رسمية ومستوصفاً في زوطر الشرقية، في وقت كانت فيه المنطقة ضمن المناطق التجريبية التي تتولى فيها الدولة أعمال البنى التحتية.

 

يضع ذلك الجيش أمام معادلة صعبة؛ فالمؤسسة العسكرية مطالبة بإعادة تأهيل ما دمرته الحرب، بينما لا تملك وحدها القدرة على منع تكرار الضربات أو عمليات الهدم.

 

فجوة مالية يصعب تجاوزها

 

تواجه الدولة اللبنانية أيضاً مشكلة الموارد. فالخزينة تعاني أصلاً من أزمة مالية حادة، بينما تحتاج مناطق الجنوب إلى تمويل كبير لإعادة بناء المنازل والمنشآت وشبكات الخدمات.

 

يمتلك حزب الله شبكة اجتماعية وخدمية تراكمت على مدى سنوات، وتشمل مساعدات مرتبطة بالسكن والصحة والتعليم، إضافة إلى أشكال مختلفة من الدعم للسكان المتضررين.

 

تدخل الدولة في المقابل بإمكانات محدودة، ما يجعل نجاح التجربة مرتبطاً بدرجة كبيرة بحجم التمويل الخارجي الذي يمكن تأمينه، وبقدرة المؤسسات الرسمية على وضع خطة واضحة لإعادة الإعمار.

 

المناطق التجريبية تختبر نموذجاً جديداً

 

تتحول المناطق التي يتولى الجيش فيها أعمال البنى التحتية إلى اختبار عملي لقدرة الدولة على إدارة مرحلة ما بعد الحرب.

 

إذا نجحت التجربة في إنجاز المشاريع وتأمين الخدمات للسكان، فقد تتحول إلى نموذج قابل للتوسع في قرى أخرى، خصوصاً مع استمرار النقاش حول دور مؤسسات الدولة في الجنوب.

 

أما الفشل أو التأخر، فقد يعزز موقف القوى التي ترى أن الدولة غير قادرة على سد الفراغ الخدمي والاجتماعي، خصوصاً في ظل استمرار الأضرار الإسرائيلية وغياب التمويل الكافي.

 

الإعمار وإعادة توزيع النفوذ

 

لا ينفصل ملف إعادة البناء عن التحولات الأوسع التي يشهدها الجنوب. فانتقال مسؤولية المشاريع إلى الجيش يعني عملياً محاولة نقل مركز الثقل من شبكات الخدمات المرتبطة بالقوى السياسية إلى مؤسسات الدولة.

 

وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في المناطق التي عانت من الدمار، لأن السكان يحتاجون إلى جهة قادرة على تأمين المأوى والتعويض والخدمات وإعادة فتح الطرق والمدارس والمراكز الصحية.

 

الجهة التي تنجح في القيام بهذه المهام ستتمكن من بناء علاقة جديدة مع السكان، وقد تكتسب نفوذاً يتجاوز حدود المشروع أو المنطقة التي يجري فيها التنفيذ.

 

معركة اليوم التالي

 

تتجاوز المعركة في جنوب لبنان مسألة السلاح والانتشار العسكري، لتصل إلى سؤال أكثر ارتباطاً بالحياة اليومية: من سيعيد بناء ما تهدم، ومن سيتولى دفع التعويضات، ومن سيؤمن الخدمات، ومن سيصبح المرجعية الأساسية للسكان؟

 

يمثل دخول الجيش إلى ملف الإعمار محاولة لإثبات قدرة الدولة على استعادة دورها في الجنوب، لكن نجاح هذه الخطوة يحتاج إلى موارد مالية واستقرار أمني وقدرة على حماية المشاريع من الدمار المتجدد.

 

في المقابل، سيبقى حزب الله أمام اختبار مختلف، يتمثل في الحفاظ على حضوره الاجتماعي والخدمي في بيئة اعتادت الاعتماد على شبكة واسعة من مؤسساته.

 

وبين محاولة الدولة توسيع حضورها واستمرار النفوذ القائم، يتحول الإعمار إلى ساحة جديدة للصراع على الدور والمكانة.

 

تحت الركام، لا يجري تحديد شكل الأبنية الجديدة فقط، بل تتشكل ملامح الجهة التي ستملك مفتاح الجنوب في مرحلة ما بعد الحرب.

 

 

 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 3 + 8