السوريون في لبنان.. رسوم جديدة على طاولة البلديات

2026.08.26 - 10:19
Facebook Share
طباعة

يتجه ملف الوجود السوري في لبنان إلى مرحلة مختلفة مع تراجع أعداد العائدين إلى سوريا وبقاء شريحة من السوريين للعمل والإقامة، خصوصاً المعيلين الذين أعادوا أسرهم إلى بلدهم واستمروا في تأمين دخلهم من السوق اللبنانية. وفي هذا السياق، يبرز طرح نيابي لإقرار إطار قانوني يتيح للبلديات استيفاء رسوم مقابل الخدمات من المقيمين السوريين، بالتوازي مع إعادة تنظيم بيانات الإقامة والعمل والإيجارات.

اقرأ أيضاً:145 دولاراً مقابل 563.. فجوة المعيشة في لبنان

 

وكشف مصدر برلماني لوسائل إعلام محلية، أن جهات نيابية تدفع باتجاه قانون يسمح للبلديات بتحصيل رسوم خدمات من السوريين الموجودين ضمن نطاقها، أسوة بالرسوم التي يدفعها المقيمون مقابل إشغال المنازل والاستفادة من الخدمات المحلية.

 

ويستند الطرح إلى أن الإقامة الدائمة داخل أي بلدة تفرض أعباء على البلديات، تشمل جمع النفايات والصرف الصحي والإنارة وصيانة الطرق وتنظيم السكن. لكن البلديات لا تستطيع استحداث رسم جديد بقرار محلي، ما يتطلب تشريعاً من مجلس النواب يحدد نوع البدل وقيمته وآلية تحصيله.

 

ولا توجد حتى الآن قاعدة بيانات لبنانية موحدة تحدد العدد الفعلي للسوريين الموجودين في البلاد. وتظهر بيانات مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين وجود 889,625 سورياً ضمن السجلات الناشطة حتى نهاية يونيو/حزيران 2026، موزعين على 232,455 أسرة.

 

يتوزع المسجلون بنحو 286 ألفاً في البقاع، و278 ألفاً في بيروت وجبل لبنان، و238 ألفاً في الشمال، ونحو 86 ألفاً في الجنوب. غير أن هذه الأرقام لا تمثل بالضرورة العدد الكامل للسوريين الموجودين، خصوصاً أن الحكومة اللبنانية أوقفت تسجيل النازحين الجدد لدى المفوضية منذ عام 2015.

 

في المقابل، تشير بيانات المفوضية إلى عودة 672,699 سورياً إلى سوريا منذ بداية 2025 وحتى نهاية يوليو/تموز 2026. ويشمل الرقم العائدين الذين تأكدت عودتهم، إلى جانب أشخاص أُغلقت ملفاتهم بسبب الغياب الطويل أو انقطاع التواصل، لذلك لا يمكن اعتبار إغلاق الملف دليلاً قاطعاً على عودة نهائية.

 

وعلى المستوى القانوني، لا يبدو أن استحداث رسم خاص بالسوريين هو المدخل الوحيد المتاح أمام البلديات. فقانون الرسوم والعلاوات البلدية رقم 60/88 يفرض رسماً سنوياً على شاغل البناء، سواء كان مالكاً أو مستأجراً، من دون ربط التكليف بالجنسية.

 

 

ويبلغ الرسم 5% من القيمة التأجيرية للأماكن السكنية و7% للأماكن غير السكنية، إلى جانب رسم سنوي لصيانة المجارير والأرصفة يعادل 1.5% من القيمة التأجيرية.

اقرأ أيضاً:واشنطن تستأنف تعزيز طاقمها الدبلوماسي في بيروت

 

كما يلزم القانون المالك أو المستثمر بتسجيل عقد الإيجار لدى البلدية، ويمنحها صلاحية تقدير القيمة التأجيرية عندما يكون البناء مشغولاً من دون عقد مسجل.

 

وبالتالي، فإن السوري المستأجر ليس معفياً من الرسوم البلدية من حيث المبدأ، كما هو الحال مع أي مستأجر أجنبي آخر. لكن المشكلة تكمن في ضعف تسجيل العقود والإشغال، إذ يقيم قسم من السوريين في وحدات غير منظمة أو بموجب عقود غير مسجلة أو ضمن مساكن يتشاركها عدد من الأشخاص، ما يصعّب إدراجهم بدقة في جداول التكليف.

 

وفي حال تحول الطرح النيابي إلى تشريع، يمكن أن يحدد بدل خدمات واضحاً مقابل جمع النفايات ومعالجتها وتنظيف الطرق والصرف الصحي والإنارة وصيانة البنية التحتية المحلية. كما يمكن ربط المبلغ بالوحدة السكنية أو النشاط التجاري بدلاً من احتسابه على أساس عدد الأفراد.

 

لكن فرض مبلغ بسبب الجنسية يختلف قانونياً عن فرض بدل مقابل خدمة يستفيد منها المقيم. فالضرائب العامة لا تُفرض أو تُعدل إلا بقانون، بينما يحدد قانون 60/88 أنواع الرسوم البلدية ومجالات فرضها.

 

وبناءً على ذلك، يفترض بأي تشريع جديد أن يرتبط بإشغال العقار أو الاستفادة من الخدمة، لا بالهوية السورية وحدها، مع تحديد قواعد واضحة للتحصيل وإصدار إيصالات رسمية وإدخال الإيرادات ضمن موازنات البلديات.

 

وسبق لوزارة الداخلية أن تدخلت عام 2017 بعد استيفاء بعض البلديات مبالغ من سوريين بصورة غير قانونية، إلى جانب حجز أوراق ثبوتية من دون تسليم أصحابها إيصالات.

 

وتكشف حركة العودة الحالية عن نمط مختلف عن العودة العائلية الكاملة، إذ عاد بعض أفراد الأسرة إلى سوريا بينما بقي الأب أو أحد الرجال البالغين في لبنان للعمل وتحويل الأموال إلى أسرته.

 

وبحسب تقرير المفوضية عن العائدين حتى نهاية يوليو/تموز، عادت 87% من الأسر المستفيدة من برنامج العودة كعائلات كاملة. أما بين الأسر التي لم تعد بصورة مكتملة، فقد بقي رجال بالغون في لبنان لأسباب مرتبطة بكسب الرزق في 74% من الحالات.

 

وأخذت خطة العودة التي أطلقتها الحكومة اللبنانية بالتعاون مع الأمم المتحدة هذا الاحتمال في الاعتبار، من خلال طرح تصاريح عمل للمعيل الذي تبقى أسرته في سوريا، خصوصاً في قطاعات الزراعة والبناء.

 

اقتصادياً، يؤدي استمرار العمال السوريين في لبنان دوراً في قطاعات تعتمد على العمالة الوافدة، بينما ينتقل جزء من دخولهم إلى سوريا عبر التحويلات المالية.

 

يحصل العامل على أجره في لبنان، وينفق جزءاً منه على السكن والطعام والنقل، ثم يرسل المتبقي إلى أسرته. ويذهب الجزء المحول إلى الاستهلاك داخل سوريا بدلاً من دخوله مباشرة في الدورة الاستهلاكية اللبنانية.

 

لكن لا توجد بيانات رسمية حديثة تحدد قيمة التحويلات التي يرسلها العمال السوريون من لبنان. فجزء من الأموال ينتقل نقداً مع المسافرين أو عبر قنوات غير رسمية، ما يجعل رصده في البيانات المالية أمراً صعباً.

 

كما لا يمكن اعتبار كامل دخل العامل خروجاً من الاقتصاد اللبناني، إذ يساهم العامل في قطاعات إنتاجية وينفق جزءاً من دخله داخل البلاد.

 

ولا تعني مغادرة الأسرة الأراضي اللبنانية بالضرورة انتهاء ارتباطها الاقتصادي والاجتماعي بالبلاد. فقد استمرت حركة العبور بين البلدين خلال الفترة الماضية لأسباب تتعلق بالعمل والتجارة والتعليم والعلاج والزيارات العائلية.

 

ويُعرف هذا النمط بـ"العودة الدائرية"، حيث تنتقل الأسرة إلى سوريا بينما يبقى المعيل في لبنان، ثم قد يعود بعض أفرادها عند تعذر تأمين الدخل أو السكن أو الخدمات في الجانب السوري.

 

وتدعم نتائج مسح أجرته المفوضية في يونيو/حزيران 2026 هذا الاتجاه، إذ قال 7% فقط من السوريين الباقين في لبنان إنهم يعتزمون العودة خلال الأشهر الاثني عشر المقبلة. وبرزت صعوبات السكن وفرص العمل والخدمات والأوضاع الأمنية بين أبرز العوائق أمام العودة.

 

ورغم تحسن بعض المؤشرات الاقتصادية في سوريا خلال 2025 و2026، يقدر البنك الدولي كلفة إعادة الإعمار بنحو 216 مليار دولار، بينما لا تزال فرص العمل والسكن من أبرز احتياجات العائدين.

 

ويعني ذلك أن ملف الوجود السوري في لبنان لن ينتهي بمجرد تسجيل أعداد العائدين، بل سيظل مرتبطاً بتنظيم الإقامة والعمل والسكن وحركة العبور بين البلدين.

 

في هذه المرحلة، تبدو الأولوية أمام السلطات اللبنانية في تحديث سجلات المقيمين، وتنظيم عقود الإيجار والعمل، وتطبيق الرسوم البلدية القائمة على جميع المستفيدين، ثم دراسة أي بدل خدمات إضافي من خلال قانون واضح.

 

فمن دون قاعدة بيانات دقيقة وآلية تحصيل قانونية وموحدة، قد تتحول الرسوم إلى إجراءات متفاوتة بين البلديات، بينما تبقى أعداد المقيمين وحجم العمالة والتحويلات المالية خارج صورة إحصائية متكاملة.

 


 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 6 + 3