باب المندب.. لماذا تزداد معاناة السكان على الساحل؟

2026.08.25 - 20:51
Facebook Share
طباعة

تكشف الحياة على الساحل اليمني الممتد بمحاذاة باب المندب مفارقة حادة بين أهمية الموقع الاستراتيجية والواقع المعيشي للسكان، الذين يواجهون ارتفاع الأسعار وشح فرص العمل ونقص الخدمات وحرارة الصيف، إلى جانب آثار الحرب والتوترات الأمنية.

اقرأ أيضاً:تفاهم عُماني إيراني يمهد لاستعادة الملاحة في هرمز

 

يمتد الشريط الساحلي لنحو 300 كيلومتر من رأس العارة وذو باب جنوباً، مروراً بالمخا والوازعية، وصولاً إلى الخوخة وحيس والدريهمي شمالاً، ويضم أكثر من نصف مليون نسمة يتوزعون بين مدن وقرى وتجمعات ساحلية.

 

يعتمد جانب كبير من السكان على الصيد والزراعة والأعمال اليومية والبيع المتجول، في ظل موارد محدودة وبنية خدمية ضعيفة، بينما يعيش كثيرون داخل مساكن بسيطة لا توفر حماية كافية من الظروف المناخية القاسية.

 

الخوخة.. اقتصاد يومي تحت الضغط

 

تعكس الخوخة والقرى المحيطة بها حجم الضغوط الاقتصادية التي تواجه الأسر، إذ يعتمد كثير منها على دخل يومي متذبذب لتأمين الطعام والاحتياجات الأساسية.

 

تتركز الأنشطة في يختل والرويس والزهاري، التابعة لمديرية المخا، على زراعة النخيل والخضراوات وخدمة المسافرين ونقاط البيع الصغيرة، ويقدر عدد سكان هذه التجمعات بنحو 15 ألف نسمة.

 

تزداد حدة الظروف المعيشية في الخوخة، التي يقطنها أكثر من 100 ألف شخص من السكان والنازحين، مع محدودية مصادر الدخل وارتفاع تكاليف الغذاء.

 

يظهر أثر الضغوط الاقتصادية في اعتماد أسر كثيرة على كميات محدودة من المواد الغذائية، وسط صعوبة تأمين وجبات متكاملة مع تراجع القدرة الشرائية.

 

حرارة تتجاوز 42 درجة

 

تضيف الظروف المناخية عبئاً آخر إلى حياة السكان، إذ تتجاوز درجات الحرارة في مناطق باب المندب وتهامة 42 درجة مئوية خلال الصيف، بينما تتخطى الرطوبة 80% في بعض الفترات.

اقرأ أيضاً:ترامب يهدد بتدمير أي ألغام جديدة في مضيق هرمز

 

تتضاعف الصعوبة في القرى الممتدة من قطابا والمتينة إلى حيس والدريهمي، خصوصاً بالنسبة إلى العمال وحمالي البضائع الذين يقضون ساعات طويلة في الخارج تحت الشمس.

 

تشير المعطيات الواردة في التقرير إلى أن أكثر من 70% من السكان يعيشون في عشش مصنوعة من القصب والقش، فيما تظل خدمات الكهرباء محدودة خارج المراكز الحضرية.

 

يفرض ارتفاع كلفة الطاقة قيوداً إضافية على الأسر، ويجعل اقتناء أجهزة التبريد أمراً بعيد المنال بالنسبة إلى كثير منها، ما يدفع السكان إلى وسائل بدائية لمواجهة الحرارة.

 

المخا.. نشاط تجاري رغم التوتر

 

تحتفظ مدينة المخا، التي يتجاوز عدد سكانها 65 ألف نسمة، بحركة تجارية في أسواقها الشعبية رغم انعكاسات التطورات العسكرية على المنطقة.

 

أظهرت أعمال تعبيد الطرق والتوسع العمراني تحولاً تدريجياً مقارنة بالماضي، بعدما كانت أجزاء واسعة من المدينة تعتمد على الطرق الترابية وتفتقر إلى بنية أساسية متطورة.

 

أثرت التوترات الأمنية الأخيرة في حركة الأسواق، فتراجع النشاط التجاري خلال بعض الفترات وانخفض الإقبال على الشراء.

 

يلجأ بعض السكان والنازحين خلال ساعات الليل إلى الأرصفة والساحات المفتوحة للنوم، هرباً من الحرارة والرطوبة داخل المساكن.

 

مدينة تاريخية تحت آثار الحرب

 

تحافظ المخا القديمة على أجزاء من معالمها التاريخية، رغم الأضرار التي لحقت بها نتيجة الكوارث الطبيعية والحرب.

 

شهدت المدينة في الماضي ما يعرف بـ"سيل الثلوث"، الذي جرف أجزاء من أحيائها وقصورها القديمة، بينما أضافت سنوات الحرب أضراراً جديدة إلى المشهد العمراني.

ارتبط اسم المخا بتاريخ طويل في تجارة القهوة التي حملت اسم المدينة إلى الأسواق العالمية، كما وثق الرحالة الألماني كارستن نيبور معالم منها خلال رحلته عامي 1762 و1763.

 

تظهر بقايا السوق المركزي القديم وجامع الشاذلي وقبة العلوي والأسوار والأبواب التاريخية، رغم انهيار أجزاء من بعض هذه المعالم.

 

تشمل الأبواب التاريخية للمدينة العمودي والشاذلي وفجير وصندل والساحل، وهي شواهد على مكانة المخا التجارية والتاريخية.

 

ذو باب.. خدمات محدودة على بوابة الملاحة

 

تمتد المنطقة جنوب المخا إلى مديرية ذو باب، التي يزيد عدد سكانها على 20 ألف نسمة، وصولاً إلى أطراف رأس العارة.

 

يمنح الموقع المحاذي لمضيق باب المندب المديرية أهمية استراتيجية كبيرة، لكن ذلك لا ينعكس على مستوى الخدمات المتاحة للسكان.

 

تنتشر في مركز المديرية والقرى المحيطة بها مساكن بسيطة وعشش مصنوعة من القش والقصب، بينما تشكل الطرق الترابية جزءاً أساسياً من المشهد المحلي.

 

تعاني تجمعات سكانية واسعة نقصاً في شبكات مياه الشرب والمرافق الصحية، ما يضطر الأهالي إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى الخدمات الأساسية.

 

الساحل بين شح الموارد وآثار الحرب

 

يجمع الشريط الممتد من رأس العارة جنوباً إلى الدريهمي شمالاً ظروفاً معيشية متقاربة، تتداخل فيها محدودية فرص العمل مع ارتفاع الأسعار وضعف البنية التحتية.

 

يرتبط دخل السكان بأنشطة الصيد والزراعة والأعمال اليومية، بينما يواجه النازحون أعباء إضافية بسبب محدودية الموارد والخدمات المتاحة.

 

تؤثر التوترات الأمنية كذلك في النشاط الاقتصادي، خصوصاً بالمناطق القريبة من خطوط الملاحة والمواقع التي شهدت تطورات عسكرية خلال الفترة الماضية.

 

يساعد التكافل الاجتماعي المجتمعات المحلية على تجاوز جانب من نقص الخدمات والضغوط الاقتصادية، في ظل غياب حلول كافية لبعض الاحتياجات الأساسية.

 

حياة على هامش الممر الدولي

 

يبرز التناقض بين الموقع الاستراتيجي لباب المندب والواقع الاقتصادي للسكان؛ فالمضيق يمثل شرياناً رئيسياً للتجارة والملاحة العالمية، بينما تعيش قرى ومناطق واسعة حوله بإمكانات محدودة.

 

تحتاج المنطقة إلى تحسين شبكات المياه والكهرباء والصحة والطرق، إلى جانب توفير فرص اقتصادية أكثر استقراراً للسكان والنازحين.

 

تظل حماية مصادر الرزق وتأمين الاحتياجات الأساسية أولوية للمجتمعات الساحلية، خصوصاً في ظل استمرار التوترات وتداعيات الصراع التي جعلت الحياة اليومية أكثر صعوبة وكلفة.


 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 4 + 4

اقرأ أيضاً