مجزرة داريا الكبرى.. 14 عاماً من الدم والعدالة الغائبة

2026.08.25 - 18:55
Facebook Share
طباعة

بعد أربعة عشر عاماً على واحدة من أكثر المآسي دموية في تاريخ الثورة السورية، تستعيد مدينة داريا في ريف دمشق مشاهد أيام لا تزال حاضرة في ذاكرة سكانها. فالمجزرة التي شهدتها المدينة في أغسطس/آب 2012 لم تكن مجرد عملية عسكرية عابرة، بل تحولت إلى محطة دامية ارتبطت بالحصار والقصف والاعتقالات والإعدامات الميدانية، وتركت وراءها مئات القتلى والمفقودين وعائلات لا تزال تبحث عن إجابات.

اقرأ أيضاً:نزيف مائي في درعا.. الآبار المخالفة تهدد المستقبل

 

تعود ذكرى المجزرة هذا العام وسط مطالب متجددة بكشف مصير المفقودين، وتوثيق الانتهاكات التي تعرض لها المدنيون، ومحاسبة المسؤولين عنها، في وقت يحتفظ فيه الناجون وأسر الضحايا بتفاصيل الأيام التي عاشتها المدينة تحت حصار شديد وقصف متواصل.

 

بدأت الحملة على داريا قبل 25 أغسطس/آب 2012 بأيام، حين قطعت قوات النظام السوري المخلوع الكهرباء والاتصالات عن المدينة، قبل أن تكثف قصفها وتدفع بقوات برية إلى محاور عدة.

 

وأدى الحصار إلى عزل الأحياء السكنية عن بعضها وعن المناطق المحيطة، في وقت تعرضت فيه المنازل والشوارع والمرافق المدنية للقصف، وسط صعوبة كبيرة في إسعاف المصابين أو إخراج السكان من مناطق الخطر.

 

مع تصاعد العمليات العسكرية، تحولت أجزاء واسعة من داريا إلى مناطق مغلقة، فيما لجأ سكان إلى الأقبية والملاجئ والمنازل البعيدة عن خطوط القصف، وحاول آخرون مغادرة المدينة عبر طرق فرعية وسط مخاطر الاستهداف.

 

وفي 25 أغسطس/آب، دخلت الحملة مرحلة أكثر دموية، وفق شهادات سكان وناجين، مع اقتحامات للمنازل والأحياء وعمليات قتل واعتقال، إلى جانب إحراق ممتلكات وتخريب منازل وأراضٍ زراعية.

 

يصف أهالي المدينة تلك الأحداث بـ«المجزرة الكبرى»، نظراً إلى حجم الخسائر البشرية واتساع نطاق الانتهاكات التي رافقتها.

 

وتشير روايات محلية إلى توثيق أكثر من 700 قتيل خلال المجزرة، فيما تحدث سكان عن فقدان نحو 200 شخص بعد انتهاء العمليات، بينهم قاصرون، دون التوصل إلى معلومات مؤكدة عن مصير عدد منهم.

 

وكانت العائلات تواجه في تلك الأيام صعوبة في معرفة مصير أفرادها، بسبب انقطاع الاتصالات واستمرار العمليات العسكرية، فيما تحولت بعض الأبنية إلى ملاجئ مؤقتة للمدنيين والمصابين.

اقرأ أيضاً:أبرز الأحداث الأمنية في سوريا بتاريخ 24-8-2026

من بين الشهادات التي تستعيد تفاصيل تلك الفترة رواية آمنة العبار، التي كانت تعمل ممرضة في مستشفى ميداني داخل المدينة. تقول إن المستشفى لم يكن منشأة طبية مجهزة، بل شقتين سكنيتين استُخدمتا لاستقبال عشرات المصابين.

 

وصل الجرحى تباعاً وسط استمرار القصف، وكانت الإمكانات الطبية محدودة للغاية، بينما تولى متطوعون وأطباء وممرضون تقديم الإسعافات الأولية في ظروف بالغة الصعوبة.

 

وتتذكر العبار مشاهد المصابين الممددين على الأرض، وبينهم أشخاص تعرضوا لإصابات خطيرة وبتر في الأطراف، فيما كانت أصوات البكاء والصراخ تتداخل مع أصوات القصف المحيط بالمكان.

 

ومع اقتراب القوات من المستشفى، تلقى العاملون أمراً بإخلائه سريعاً، ما وضعهم أمام قرار صعب يتعلق بكيفية إخراج الجرحى في ظل اقتراب القوات المهاجمة.

 

تمكن بعض المدنيين لاحقاً من مغادرة المنطقة عبر طرق فرعية، فيما بقي آخرون داخل المدينة بسبب إغلاق الطرق الرئيسية وانتشار القوات.

 

وتروي العبار أن عائلتها حاولت الخروج ليلاً عبر طريق بين داريا وصحنايا، قبل أن تقضي ليلة في البساتين وتصل لاحقاً إلى دير خبية، بينما انقطع الاتصال بوالدها وشقيقها الآخر.

 

ولم تقتصر الانتهاكات التي وثقتها شهادات السكان على القصف، إذ تحدث ناجون عن عمليات اعتقال وإعدامات ميدانية داخل الأحياء والمباني السكنية.

 

وبحسب إحدى الروايات، اقتيد أحد سكان المدينة إلى قبو مبنى مجاور بعد العثور على علم صغير للثورة في منزله، قبل أن يسمع أفراد أسرته صوت إطلاق النار، في مشهد اعتبروه دليلاً على إعدامه داخل المبنى.

 

كما تحدثت شهادات عن اعتقال أكثر من عشرة شبان من أحد الأحياء، رغم توسلات ذويهم ومحاولاتهم منع اقتيادهم.

 

وبعد انحسار العمليات، وجد سكان داريا أنفسهم أمام مهمة انتشال الضحايا من أماكن متعددة، بينها الشوارع والأقبية والمزارع وبعض المنازل.

 

عمل متطوعون من أبناء المدينة لعدة أيام على جمع الجثامين ودفنها، فيما دفنت أعداد من الضحايا في مقابر جماعية نتيجة صعوبة تحديد هويات جميع القتلى والظروف الأمنية التي كانت تحيط بالمدينة.

 

تركت المجزرة آثاراً عميقة على التركيبة الاجتماعية للمدينة، إذ فقدت عائلات أفراداً عدة، بينما بقيت أسر أخرى لسنوات تبحث عن أقاربها الذين اختفوا خلال الحملة.

 

وتشير شهادات السكان إلى أن عائلات بأكملها تعرضت لخسائر كبيرة، من بينها عائلات قفاعة والسقا والنكاش ونمورة وخشيني وهدلة، إضافة إلى أشخاص قدموا إلى داريا من مناطق أخرى وكانوا بين ضحايا الأحداث.

 

ولم تتوقف آثار المجزرة عند الخسائر البشرية، فقد تعرضت المنازل والمزارع والممتلكات لأضرار واسعة، ما زاد من حجم المعاناة التي واجهها السكان بعد انتهاء العمليات.

 

بالنسبة إلى الناجين، لا تزال تفاصيل تلك الأيام مرتبطة بفقدان الأقارب والأصدقاء، وذكريات النزوح والخوف والبحث عن أماكن آمنة، فضلاً عن الأسئلة التي بقيت بلا إجابات بشأن المفقودين.

 

وتعود ذكرى داريا في وقت لا يزال ملف المحاسبة عن الجرائم والانتهاكات التي ارتكبت خلال سنوات الحرب السورية من أكثر الملفات تعقيداً، خصوصاً في ظل تعدد الأطراف وتراكم آلاف الشهادات والوثائق المتعلقة بالضحايا.

 

يرى أهالي المدينة أن العدالة لا تقتصر على محاسبة المسؤولين عن عمليات القتل، بل تشمل أيضاً معرفة مصير المفقودين، وتحديد أماكن دفن الضحايا، وتوثيق أسماء جميع من قضوا خلال المجزرة.

 

وبعد 14 عاماً، لم تُمحَ آثار تلك الأيام من ذاكرة داريا. وبينما تغيرت الظروف السياسية والعسكرية في سورية، بقيت صور الضحايا وشهادات الناجين جزءاً من ذاكرة المدينة، التي تحيي ذكراها مطالبة بالحقيقة والعدالة، وبأن تبقى أسماء من فقدوا حياتهم حاضرة في سجل تاريخها.

 


 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 6 + 9