فراغ استراتيجي
يكشف انتقال حاملة الطائرات الأميركية «جورج واشنطن» من اليابان إلى بحر العرب عن ضغوط متزايدة تواجهها البحرية الأميركية، بعدما أدى التركيز العسكري على الشرق الأوسط إلى تقليص حضور واشنطن في غرب المحيط الهادئ، في وقت تتصاعد فيه المنافسة الاستراتيجية مع الصين.
ويأتي هذا التحرك لاستبدال حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن»، التي أنهكها انتشار طويل ومتواصل، وسط ضغوط متزايدة على الطواقم والسفن نتيجة تمديد المهام العملياتية إلى ما يتجاوز الجداول المعتادة.
اقرأ أيضاً: ترسانة أوروبا في مهب التخريب.. أين تقف روسيا؟
ضغط متراكم
يشير خبراء في الشأن العسكري إلى أن المشكلة لا تقتصر على إرهاق الطواقم، بل تمتد إلى منظومة الصيانة والإصلاح، إذ تؤدي فترات الانتشار الطويلة إلى زيادة أعباء الصيانة وتأخير إعادة حاملات الطائرات إلى الخدمة.
وعادة ما يستمر انتشار حاملة الطائرات نحو 6 أو 7 أشهر، لكن المتطلبات العملياتية الأخيرة دفعت بعض القطع البحرية إلى البقاء في البحر لفترات أطول بكثير، ما أدى إلى تراكم أعمال الصيانة داخل أحواض السفن الأميركية.
وتبرز حاملة «جيرالد آر. فورد» مثالاً على ذلك، بعدما استمر انتشارها نحو 11 شهراً، قبل دخولها مرحلة صيانة طويلة ترافقت مع أضرار إضافية نتيجة حريق اندلع على متنها.
اقرأ أيضاً: ترامب وولاية ثالثة.. طموح سياسي يصطدم بالدستور
أزمة في الأسطول
لا تقتصر الاختناقات على السفن العاملة، إذ تواجه برامج بناء حاملات جديدة تأخيرات متتالية. فقد تأخر دخول حاملة «جون إف. كينيدي» إلى الخدمة، في وقت تواصل فيه حاملة «جون سي. ستينيس» أعمال تحديث شاملة منذ عام 2021.
كما أدى الضغط على أحواض الصيانة إلى تأخير جداول سفن أخرى، بينها «هاري إس. ترومان»، فيما اضطرت البحرية إلى تأجيل إخراج «نيميتز» من الخدمة لسد بعض الفجوات.
ويرى خبراء أن محدودية أحواض السفن القادرة على تنفيذ أعمال الصيانة المعقدة تزيد صعوبة معالجة الاختناقات، خصوصاً مع استمرار الحاجة إلى الانتشار في أكثر من مسرح عملياتي.
فرصة للصين
يكتسب غياب حاملة طائرات أميركية عاملة في غرب المحيط الهادئ أهمية استراتيجية، في منطقة تشهد نشاطاً متزايداً للصين وكوريا الشمالية وروسيا.
ويقول محللون إن بكين قد تنظر إلى هذا الفراغ باعتباره فرصة لتعزيز حضورها ونفوذها، خصوصاً أن واشنطن تعتبر المحيطين الهندي والهادئ محوراً رئيسياً في استراتيجيتها لمواجهة صعود الصين.
اختبار القوة
ومن المنتظر أن تعود حاملة «رونالد ريغان» إلى الخدمة في نهاية آب، بعد أعمال صيانة استمرت نحو 17 شهراً، وهو ما قد يخفف جزءاً من الضغوط.
لكن الصورة الأوسع، وفق خبراء في الشأن العسكري، تشير إلى تحدٍ متزايد أمام واشنطن يتمثل في الحفاظ على قدرتها على الانتشار في مناطق متباعدة من دون استنزاف أسطولها وطاقمه أو خلق فجوات استراتيجية.
معادلة صعبة
يكشف نقل «جورج واشنطن» إلى بحر العرب أن تعزيز الحضور الأميركي في الشرق الأوسط قد يأتي على حساب الجاهزية في منطقة المحيط الهادئ، ما يضع واشنطن أمام معادلة دقيقة بين احتياجاتها العسكرية الآنية ومتطلبات المنافسة الاستراتيجية طويلة الأمد مع الصين.