ترسانة أوروبا في مهب التخريب.. أين تقف روسيا؟

2026.08.23 - 23:05
Facebook Share
طباعة

 تتزايد المخاوف في أوروبا من انتقال الحرب الروسية الأوكرانية إلى مساحات أكثر غموضاً، مع سلسلة حرائق وانفجارات طالت منشآت مرتبطة بالصناعات الدفاعية في دول أوروبية خلال الأشهر الماضية، وسط شبهات متزايدة حول احتمال تعرض بعضها لأعمال تخريب منظمة.

ولا تزال الأدلة العلنية التي تثبت مسؤولية روسيا عن هذه الحوادث محدودة، إلا أن تزامنها ومواقعها يثيران قلقاً داخل الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي، خصوصاً أن عدداً من المنشآت المتضررة يرتبط بصورة مباشرة أو غير مباشرة بإمدادات السلاح الموجهة إلى أوكرانيا.

 

سلسلة حوادث تثير الشبهات

شهدت أوروبا خلال الفترة الأخيرة حوادث متفرقة في منشآت عسكرية وصناعية، كان أحدثها انفجار وقع في 10 آب داخل مصنع تابع لشركة «أي أم سي أو» في بلغاريا، وهي من الشركات التي تنتج ذخائر مدفعية تستخدمها أوكرانيا.

وبعد ثلاثة أيام، اندلع حريق في منشأة لإنتاج الذخائر تابعة لشركة «آمو إيتالي» في كوليفيرو قرب روما، فيما أشارت التحقيقات الأولية إلى أن النيران بدأت داخل وحدة مخصصة لتصنيع البارود.

وفي إستونيا، فتحت السلطات تحقيقاً في حريق طال مصنعاً مرتبطاً بإنتاج الطائرات المسيّرة، بينما أوقفت لاتفيا ثلاثة أشخاص للاشتباه بصلتهم بالحادث. ولم تحسم التحقيقات حتى الآن ما إذا كان الحريق عملاً تخريبياً أو ما إذا كانت هناك صلة روسية به.

وتضاف هذه الوقائع إلى حوادث سابقة في دول أوروبية أخرى، بينها جمهورية التشيك وليتوانيا، ما دفع أجهزة أمنية غربية إلى دراسة احتمال وجود نمط مشترك خلف عدد من هذه الحوادث.

 

اقرأ أيضاً: ضربة روسية مزدوجة تحصد 15 قتيلاً في أوكرانيا

 

موسكو وحرب المنطقة الرمادية

وتقول تقارير إعلامية غربية إن أجهزة استخبارات تشتبه في اعتماد موسكو على أفراد محليين، بينهم عناصر من شبكات إجرامية، لتنفيذ عمليات تخريبية بدلاً من استخدام عناصر روسية بصورة مباشرة.

وفي حال ثبتت هذه الفرضية، فإن الأسلوب سيكون جزءاً مما يعرف بالحرب الهجينة، حيث يجري الضغط على الخصم من خلال التخريب والهجمات الإلكترونية والتضليل والعمليات السرية، من دون الانتقال إلى مواجهة عسكرية معلنة.

لكن هذه الفرضية لا تزال بحاجة إلى أدلة أكثر حسماً. فحتى الآن، لم تعلن التحقيقات الأوروبية المتاحة أدلة قاطعة تربط روسيا مباشرة بكل التفجيرات والحرائق الأخيرة.

وهنا تكمن حساسية الملف بالنسبة إلى حلف شمال الأطلسي؛ إذ إن إثبات مسؤولية دولة خارجية عن هجمات محدودة على منشآت داخل دول الحلف قد يفتح نقاشاً صعباً حول طبيعة الرد، فيما يبقى الوصول إلى مستوى يمكن اعتباره «هجوماً مسلحاً» وفق المادة الخامسة مسألة سياسية وقانونية معقدة.

 

اختبار لقدرة الحلف على الرد

لا يبدو أن الهدف المحتمل من مثل هذه العمليات، إذا ثبت وجود تنسيق روسي، يقتصر على تدمير منشأة أو تعطيل خط إنتاج محدد. فالضرر الأكبر قد يكون في خلق حالة من عدم اليقين داخل المنظومة الدفاعية الأوروبية.

فكل حادثة غامضة تفرض تحقيقات أمنية وإجراءات حماية إضافية، وقد تؤدي إلى تأخير الإنتاج أو رفع تكاليف التأمين والحماية، بينما تستنزف أجهزة الأمن الأوروبية في البحث عن منفذين وشبكات محتملة.

كما أن تكرار هذه الحوادث من دون رد واضح قد يمنح موسكو، وفق تقديرات غربية، فرصة لقياس حدود قدرة الدول الأوروبية على اكتشاف العمليات السرية والرد عليها.

وفي المقابل، فإن توجيه اتهام مباشر إلى روسيا من دون أدلة كافية يحمل مخاطرة سياسية، لأنه قد يدفع إلى تصعيد لا ترغب معظم الدول الأوروبية في تحمله في ظل استمرار الحرب في أوكرانيا.

 

اقرأ أيضاً: بوتين يغلق أبواب التسوية وكييف تطلب دعماً إضافياً

 

أوكرانيا تحت ضغط الدفاع الجوي

وتأتي هذه التطورات في مرحلة تحتاج فيها كييف إلى زيادة إنتاج الذخائر والحصول على أنظمة دفاع جوي متقدمة، بالتزامن مع تصاعد الهجمات الروسية بالصواريخ والطائرات المسيّرة.

وتطالب أوكرانيا حلفاءها الأوروبيين بمزيد من التمويل والإمدادات العسكرية، في وقت تحدث فيه الرئيس فولوديمير زيلينسكي عن فجوة كبيرة في تمويل احتياجات الدفاع.

ويشكل الدفاع الجوي تحديداً أحد أكثر الملفات إلحاحاً بالنسبة إلى كييف، مع استمرار حاجتها إلى صواريخ اعتراضية قادرة على مواجهة الهجمات الروسية بعيدة المدى.

 

أوروبا تبحث عن بدائل

وفي ظل صعوبة توفير أعداد إضافية من منظومات «باتريوت» الأمريكية، تتجه الدول الأوروبية إلى تطوير قدراتها الذاتية، ومن أبرز المشاريع المطروحة النسخة الجديدة من منظومة «سامب/تي»، التي تطورها فرنسا وإيطاليا ضمن التعاون الأوروبي.

كما تسعى دول أوروبية إلى توسيع إنتاج الذخائر والصواريخ داخل القارة، بما يقلل الاعتماد على الإمدادات الخارجية ويمنح أوكرانيا قدرة أكبر على الاستمرار في الحرب.

لكن توسع الصناعة الدفاعية الأوروبية يجعل المصانع والمنشآت العسكرية أهدافاً أكثر أهمية في أي حرب سرية محتملة، وهو ما يفسر ارتفاع مستوى الحماية الأمنية حولها.

 

بين الحرب والتفاوض

ويأتي كل ذلك بينما لا تزال الجهود الدبلوماسية لإنهاء الحرب الروسية الأوكرانية تواجه عراقيل، في وقت تستعد فيه الدول الداعمة لكييف لمناقشة احتياجاتها الدفاعية خلال اجتماع جديد لتحالف الدول المساندة لأوكرانيا.

وبذلك تبدو أوروبا أمام معادلة دقيقة: دعم أوكرانيا يتطلب زيادة إنتاج السلاح والذخائر، لكن توسيع هذه الصناعة يجعل المنشآت الدفاعية جزءاً متزايد الأهمية من ساحات الصراع غير المباشر.

وحتى الآن، لا توجد أدلة علنية كافية للقول إن جميع الحوادث الأخيرة تشكل حملة روسية منسقة. لكن مجرد تزايد الشبهات دفع العواصم الأوروبية إلى التعامل مع أمن الصناعات الدفاعية باعتباره جزءاً من الأمن القومي، لا مجرد مسألة تتعلق بحماية منشآت صناعية.

والاختبار الحقيقي أمام الناتو لن يكون فقط في معرفة من يقف خلف هذه الحوادث، بل في تحديد كيفية الرد إذا تحولت حرب الظل إلى نمط ثابت من العمليات داخل أراضي الحلف، من دون الانجرار في الوقت نفسه إلى مواجهة مباشرة قد توسع نطاق الحرب الأوروبية.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 6 + 9