اليورانيوم السوري بين الرقابة الدولية والطموح السلمي

2026.08.23 - 19:24
Facebook Share
طباعة

 لم يكن إعلان وجود عدة أطنان من اليورانيوم الطبيعي في سوريا، خلال زيارة المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي إلى دمشق، مجرد تفصيل تقني في محادثات تتعلق بالملف النووي، بل جاء في لحظة تسعى فيها السلطات السورية إلى إعادة صياغة علاقتها مع الوكالة الدولية، بعد سنوات من الخلافات المرتبطة بأنشطة نووية تعود إلى عهد النظام السابق.

وخلال لقائه وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني في 18 آب، تحدث غروسي عن الانتقال إلى مرحلة جديدة وطي صفحة الماضي، بينما أكدت دمشق استعدادها للتعاون مع الوكالة وتمسكها بحقها في الاستخدام السلمي للطاقة النووية.

لكن التعبير السياسي عن فتح صفحة جديدة لا يعني أن الملف أُغلق من الناحية الفنية. فالوكالة ما زالت بحاجة إلى التحقق من طبيعة المواد الموجودة ومصدرها وظروف وجودها، قبل أن يصبح بالإمكان الانتقال من معالجة الإرث السابق إلى بناء علاقة نووية مستقرة وطويلة الأمد.

 

اقرأ أيضا:
أبرز الأحداث الأمنية في سوريا بتاريخ 22-8-2026
سوريا.. محاكمة أحمد حسون تدخل غداً جولتها السادسة
سوريا تراهن على الدبلوماسية لوقف الهجمات الإسرائيلية

أطنان اليورانيوم لا تعني سلاحاً نووياً

يثير الكشف عن وجود كمية من اليورانيوم الطبيعي في موقع سوري غير معلن تساؤلات حول طبيعة المادة والهدف من وجودها، لكن مجرد امتلاك يورانيوم طبيعي لا يشكل بحد ذاته دليلاً على امتلاك قدرة عسكرية نووية.

فالفرق التقني بين اليورانيوم الطبيعي والمواد النووية عالية التخصيب جوهري، كما أن تحويل اليورانيوم الطبيعي إلى مادة يمكن استخدامها في برنامج عسكري يتطلب مراحل تقنية ومنشآت وقدرات متقدمة، إضافة إلى منظومة متكاملة من المعرفة والبنية التحتية.

ومن هذه الزاوية، تتركز أهمية الإعلان الحالي على الجانب الرقابي أكثر من العسكري. فالوكالة تريد معرفة مصدر المادة، وكيف وصلت إلى الموقع، وما إذا كانت مرتبطة بأنشطة سابقة، فضلاً عن التأكد من عدم وجود مواد أو أنشطة أخرى لم يُكشف عنها.

وبالتالي، فإن السماح للمفتشين بالوصول إلى المواقع وإجراء عمليات الجرد والتحقق سيكون الاختبار الأهم لمدى جدية المرحلة الجديدة التي تتحدث عنها دمشق والوكالة.

 

«طي صفحة الماضي» لا يعني إغلاق الملف

يمثل توصيف غروسي للمرحلة الحالية باعتبارها بداية صفحة جديدة تحولاً سياسياً مهماً في العلاقة بين دمشق والوكالة، لكنه لا يعني بالضرورة انتهاء جميع الأسئلة المتعلقة بالملف النووي السوري.

فالملفات المرتبطة بعدم الامتثال للالتزامات الدولية لا تُغلق بمجرد إعلان سياسي، وإنما تحتاج إلى معلومات ووثائق وعمليات تحقق ميدانية، وصولاً إلى قناعة لدى الوكالة بأن الصورة المتعلقة بالأنشطة السابقة أصبحت واضحة.

ومن هنا، فإن المرحلة المقبلة ستختبر قدرة دمشق على تقديم المعلومات المطلوبة وتسهيل عمليات التفتيش والوصول إلى المواقع ذات الصلة، في مقابل انتقال الوكالة تدريجياً من التركيز على الأسئلة القديمة إلى التعاون في المجالات النووية السلمية.

وإذا اكتملت عملية التحقق بصورة مرضية، فقد يصبح ممكناً الانتقال إلى مرحلة أكثر استقراراً في العلاقة مع الوكالة، بما في ذلك بحث الملفات العالقة أمام مجلس المحافظين.

 

ماذا يمكن أن تكسب دمشق؟

لا يقتصر التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية على إنتاج الطاقة، بل يمتد إلى مجموعة واسعة من الاستخدامات المدنية للتقنيات النووية.

وتستطيع سوريا، في حال استقرار العلاقة مع الوكالة، الاستفادة من الخبرات والتقنيات المتعلقة بالطب النووي وعلاج الأورام، إضافة إلى تطبيقات في الزراعة والأمن الغذائي وإدارة المياه ومراقبة الموارد الطبيعية.

كما يمكن أن يشمل التعاون تدريب الكوادر السورية وتطوير منظومات السلامة والأمان والرقابة الإشعاعية، وهي مجالات يمكن أن تكون ذات أهمية مباشرة بالنسبة إلى بلد يعيد بناء مؤسساته وبنيته التحتية.

وتكتسب هذه الجوانب أهمية إضافية لأن أي تعاون نووي مدني مستقبلي يحتاج إلى مؤسسات وطنية قادرة على إدارة المواد المشعة، وتطبيق معايير السلامة، والتعامل مع الوكالة وفق قواعد واضحة ومستقرة.

 

الحق النووي وحدود البرنامج السلمي

تأكيد دمشق حقها في الاستخدام السلمي للطاقة النووية ينسجم من حيث المبدأ مع الحقوق التي تمنحها منظومة عدم الانتشار للدول الملتزمة بالضمانات الدولية.

لكن امتلاك الحق القانوني لا يعني أن تطوير برنامج نووي يمكن أن يتم من دون قيود أو رقابة. فطبيعة المنشآت والتقنيات المستخدمة، ومستوى الشفافية، ونظام التفتيش والضمانات، كلها عوامل تحدد مدى قبول البرنامج دولياً.

وفي حالة سوريا، ستكون الثقة هي العنصر الأكثر حساسية. فالإرث المرتبط بالملف النووي السابق يجعل أي برنامج مستقبلي بحاجة إلى مستوى مرتفع من الإفصاح والتعاون مع الوكالة، خصوصاً في المراحل الأولى.

 

إسرائيل والحدود الحساسة للبرنامج

ومن المتوقع أن تراقب إسرائيل أي تطور نووي سوري عن كثب، خصوصاً إذا تجاوز التعاون المجالات المدنية التقليدية ووصل مستقبلاً إلى تقنيات أكثر حساسية، مثل تخصيب اليورانيوم أو إعادة معالجة الوقود.

وهنا تختلف الحسابات بين برنامج نووي مدني محدود وخاضع بالكامل للرقابة، وبين امتلاك قدرات يمكن أن تتيح دورة وقود نووي أكثر استقلالاً. لذلك، فإن طبيعة البرنامج، وليس مجرد وجوده، ستكون العامل الأساسي في تحديد مستوى القلق الدولي والإسرائيلي.

أما الولايات المتحدة والدول الأوروبية، فمن المرجح أن يكون معيارها الأساسي مرتبطاً بدرجة الشفافية والالتزام بالضمانات الدولية، إلى جانب طبيعة التقنيات التي تسعى دمشق إلى تطويرها.

وبذلك، تدخل سوريا مرحلة جديدة في ملفها النووي، لكن عنوانها الحقيقي لن يكون كمية اليورانيوم الموجودة في أحد المواقع، بل قدرة دمشق على تحويل إعلان التعاون إلى مسار مؤسسي قابل للتحقق. فـ«طي صفحة الماضي» يبدأ سياسياً، لكنه لا يكتمل إلا عندما تنتهي الأسئلة الفنية التي تركها ذلك الماضي وراءه.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 2 + 5

اقرأ أيضاً