رفعت إسرائيل مستوى تحذيراتها تجاه تركيا على خلفية تنامي حضورها العسكري والأمني في سوريا، في مؤشر جديد على تصاعد التنافس بين الطرفين حول شكل الترتيبات الأمنية في المرحلة المقبلة.
ونقل موقع «والا» عن مسؤول أمني إسرائيلي قوله إن تل أبيب لا ترغب في تدهور العلاقات مع أنقرة أو الدخول في مواجهة مباشرة معها، لكنه أكد في الوقت نفسه أن إقامة قواعد عسكرية تركية داخل الأراضي السورية تمثل، وفق التقدير الإسرائيلي، «خطاً أحمر».
وتأتي هذه التصريحات في أعقاب الغارة الإسرائيلية التي استهدفت مطار أبو الظهور العسكري في ريف إدلب، في خطوة تعكس اتساع نطاق العمليات الإسرائيلية داخل الأراضي السورية، وتربطها تل أبيب، بحسب المسؤول نفسه، بتطورات تتصل بمستقبل المؤسسة العسكرية السورية والدور التركي في إعادة تشكيلها.
اقرأ أيضا: استهداف اسرائيلي جديد بريف دمشق يرفع منسوب التوتر
اقرأ أيضا: أبرز الأحداث الأمنية في سوريا بتاريخ 21-8-2026
اقرأ أيضا: زملكا تحيي ذكرى الغوطة.. والعدالة في صدارة المطالب
أنقرة أمام حسابات عسكرية جديدة
بحسب التقييمات الإسرائيلية التي أوردها الموقع، تراقب تل أبيب مسار إعادة بناء الجيش السوري، بما يشمل تشكيل وحدات وفرق وألوية جديدة، إلى جانب تحديث سلاح الجو والسعي إلى امتلاك منظومات للدفاع الجوي.
ويرى المسؤول الإسرائيلي أن هذه الخطوات تثير مخاوف لدى تل أبيب، خصوصاً في حال ارتبطت بدعم تركي مباشر، أو أدت إلى وجود عسكري تركي دائم داخل سوريا.
وتقول التقديرات الإسرائيلية إن أنقرة تعمل على توسيع نفوذها في سوريا مستفيدة من المرحلة الانتقالية التي تمر بها البلاد، فيما تخشى تل أبيب أن يؤدي هذا الحضور مستقبلاً إلى تقييد قدرتها على تنفيذ عمليات عسكرية داخل الأراضي السورية.
ويعكس ذلك انتقال الخلاف من مجرد تنافس على النفوذ السياسي إلى صراع أكثر ارتباطاً بتوزيع المواقع والقواعد والقدرات العسكرية، في وقت لا تزال فيه طبيعة الترتيبات الأمنية الجديدة في سوريا قيد التشكل.
أبو الظهور في قلب الرسائل
وفي هذا السياق، اكتسب استهداف مطار أبو الظهور أهمية تتجاوز الهدف العسكري المباشر، نظراً إلى موقع المنشأة وقربها النسبي من الحدود التركية.
وبحسب المسؤول الإسرائيلي، سبقت العملية سلسلة من التقييمات والمداولات الأمنية والسياسية لتحديد طبيعة الأهداف وآلية تنفيذ الضربة، مع الإشارة إلى أن الهدف كان توجيه رسالة إلى الأطراف المعنية من دون الانزلاق إلى تصعيد أوسع.
وأشار إلى أن إسرائيل أرادت، من خلال العملية، التأكيد أن السلطات السورية تتحمل مسؤولية ما يجري داخل أراضيها، في وقت تنظر فيه تل أبيب بقلق إلى التحولات العسكرية التي تشهدها البلاد والدور التركي المتزايد فيها.
وتقع قاعدة أبو الظهور على مسافة تقارب 80 كيلومتراً من الحدود التركية، ونحو 300 كيلومتر من الحدود الإسرائيلية، ما يجعل استهدافها مرتبطاً أيضاً بحسابات أوسع تتعلق بانتشار القوى العسكرية في شمال وغرب سوريا.
صراع النفوذ يتجاوز الحدود
وتكشف التصريحات الإسرائيلية أن الخلاف مع تركيا لا يرتبط فقط بوجود قوات تركية في سوريا، بل بمستقبل التوازن العسكري في البلاد.
ففي حال تطور التعاون التركي السوري إلى إنشاء بنية عسكرية دائمة أو نشر منظومات دفاع جوي، فإن ذلك قد يحد من هامش الحركة الذي تمتلكه إسرائيل في الأجواء السورية، وهو ما تعتبره تل أبيب تحولاً استراتيجياً لا ترغب في حدوثه.
في المقابل، لا تبدو أنقرة معنية بالتراجع عن حضورها في الملف السوري، خصوصاً في ظل ارتباطه بملفات الحدود والأمن وإعادة بناء المؤسسات العسكرية، فضلاً عن موقع سوريا في الحسابات الإقليمية التركية.
وبذلك، تبدو الساحة السورية مقبلة على مرحلة أكثر تعقيداً، مع تداخل مشاريع إعادة بناء الدولة والجيش مع مصالح القوى الإقليمية. وبينما تحاول تركيا تثبيت دورها في الترتيبات الجديدة، تسعى إسرائيل إلى منع تحول هذا الدور إلى وجود عسكري منظم يمكن أن يقيّد خياراتها الأمنية مستقبلاً.
وتبقى طبيعة التفاهمات بين أنقرة ودمشق، وكذلك حدود الوجود التركي داخل سوريا، العامل الأكثر تأثيراً في تحديد ما إذا كانت التحذيرات الإسرائيلية ستبقى في إطار الرسائل السياسية، أم تتحول إلى خطوات ميدانية جديدة.