الدين الأميركي يتجاوز 40 تريليون دولار لأول مرة

2026.08.22 - 09:42
Facebook Share
طباعة

تجاوز الدين الفدرالي الأميركي حاجز 40 تريليون دولار للمرة الأولى، في محطة تعيد المخاوف بشأن مستقبل المالية العامة إلى الواجهة. ولا يرتبط القلق بحجم الالتزامات وحده، بل بسرعة تراكمها، وارتفاع كلفة الفوائد، واحتمال وصول تكلفة الاقتراض إلى مستويات تتجاوز قدرة الاقتصاد على مواكبتها.

اقرأ أيضاً:حكم قضائي يوقف قيود ترامب على تأشيرات 75 دولة

 

بحسب بيانات وزارة الخزانة الأميركية، بلغ إجمالي الدين الفدرالي 40.047 تريليون دولار، منها نحو 32.27 تريليون دولار يحتفظ بها الجمهور، مقابل قرابة 7.78 تريليونات دولار من الديون الحكومية المسجلة داخل الحسابات الفدرالية.
ولا يعني تخطي حاجز 40 تريليون دولار دخول الاقتصاد الأميركي تلقائياً في أزمة، لكن توقيت الوصول إلى الرقم يعزز المخاوف بشأن المسار المالي، خصوصاً أن الدين اقترب من حجم الاقتصاد الأميركي، في وقت أصبحت فيه خدمة الدين من أسرع بنود الإنفاق الفدرالي نمواً.

 

تريليون دولار إضافي خلال خمسة أشهر

ارتفع الدين الأميركي من 39 إلى 40 تريليون دولار خلال نحو خمسة أشهر فقط، في وتيرة تعكس تسارع الاقتراض الحكومي.

 

وكان مكتب الميزانية في الكونغرس قد توقع في فبراير/شباط الماضي وصول الاقتراض الفدرالي إلى نحو 39.4 تريليون دولار خلال السنة المالية الحالية، لكن تجاوز حاجز 40 تريليوناً حدث قبل الموعد المتوقع.

 

وذكرت «نيويورك تايمز» أن تراجع بعض الإيرادات، عقب إبطال القضاء الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس دونالد ترامب، ساهم في زيادة حاجة الخزانة إلى الاقتراض لتغطية الالتزامات الحكومية.
ولا تظهر التوقعات الحالية مؤشرات واضحة على تباطؤ المسار، إذ يرجح مكتب الميزانية في الكونغرس ارتفاع إجمالي الدين إلى نحو 63 تريليون دولار بحلول عام 2036.

 

الدين يقترب من تجاوز حجم الاقتصاد

تزداد حساسية الوضع عند مقارنة حجم الالتزامات بالناتج المحلي الإجمالي.
يتوقع مكتب الميزانية ارتفاع الدين الذي يحمله الجمهور من نحو 100% من الناتج المحلي الإجمالي عام 2026 إلى 120% في 2036، متجاوزاً المستوى القياسي المسجل عقب الحرب العالمية الثانية عند 106% عام 1946.

 

وبحسب التقديرات نفسها، قد تصل النسبة إلى نحو 175% بحلول منتصف القرن، وهو مسار وصفه مكتب الميزانية بأنه «غير مستدام».

 

كما يتوقع المكتب ارتفاع العجز السنوي للموازنة من نحو 1.9 تريليون دولار حالياً إلى 3.1 تريليونات خلال الفترة المقبلة، بما يعادل نحو 6.7% من الناتج المحلي الإجمالي.

 

 

الفوائد تتجاوز الإنفاق الدفاعي

 

تتركز المخاوف الأكبر في كلفة خدمة الدين، بعدما تجاوز صافي مدفوعات الفائدة تريليون دولار خلال السنة المالية 2026 للمرة الأولى.
أظهر تحديث لمكتب الميزانية في أغسطس/آب أن صافي الفائدة بلغ 963 مليار دولار بين أكتوبر/تشرين الأول 2025 ويوليو/تموز 2026، بمعدل يقارب 3.18 مليارات دولار يومياً، وبزيادة سنوية قدرها 14%.

اقرأ أيضاً:ترامب يلوّح بخيارات عسكرية جديدة ضد إيران

 

على أساس سنوي، وصلت تكلفة الفائدة إلى نحو 1.21 تريليون دولار، متجاوزة الإنفاق الدفاعي البالغ قرابة 1.17 تريليون دولار، وفق تحليل استند إلى بيانات وزارة الخزانة ومكتب المحاسبة الحكومي.
تستهلك الفوائد نحو 19% من الإيرادات الفدرالية، بينما يتوقع مكتب الميزانية ارتفاع صافي الفائدة إلى 2.1 تريليون دولار بحلول 2036، لتصعد حصتها من الناتج المحلي الإجمالي من 3.2% إلى 4.6%.

 

 

مخاوف من «دوامة الديون»

 

 

يحذر اقتصاديون من سيناريو تتحول فيه خدمة الدين إلى عامل يغذي مزيداً من الاقتراض. فارتفاع الفوائد يزيد كلفة التمويل، وقد يضغط على النمو، بينما يؤدي ضعف النمو إلى زيادة العبء النسبي للدين، ما يخلق حلقة يصعب كسرها كلما طال أمدها.
وتزداد المخاطرة عندما يتجاوز متوسط سعر الفائدة على الدين معدل نمو الاقتصاد. ووفق تحليل لجنة الموازنة الفدرالية المسؤولة، استناداً إلى توقعات مكتب الميزانية، قد تتجاوز الولايات المتحدة هذه العتبة بصورة مستمرة اعتباراً من السنة المالية 2031.

 

وقال نائب الرئيس الأول في اللجنة مارك غولدوين إنه لا يخشى الرقم البالغ 40 تريليون دولار بقدر ما يقلقه خطر الدخول في «دوامة الديون».

 

يرى مركز السياسات الحزبية أن استمرار الاقتراض الحكومي قد يؤدي أيضاً إلى مزاحمة الاستثمار الخاص، عبر استنزاف جزء من المدخرات الوطنية ورفع الطلب على رأس المال.

 

وتزداد أهمية هذا العامل مع حاجة شركات التكنولوجيا إلى تمويل توسعات ضخمة مرتبطة بالذكاء الاصطناعي، الأمر الذي قد يرفع المنافسة على مصادر التمويل.

 

 

عوائد أعلى على سندات الخزانة

ظهرت مؤشرات إضافية في سوق السندات على ارتفاع كلفة تمويل الدين طويل الأجل.

 

سجل مزاد حديث لسندات خزانة أميركية لأجل 30 عاماً، بقيمة 25 مليار دولار، عائداً بلغ 5.216%، وهو أعلى عائد لمزاد من هذه الفئة منذ عام 2001، بحسب لجنة الموازنة الفدرالية المسؤولة.

 

ويعني ارتفاع العائد المطلوب أن المستثمرين يطالبون بمقابل أكبر للاحتفاظ بالسندات طويلة الأجل، وهو ما يمكن أن يزيد تكلفة خدمة الدين إذا استمر الاتجاه.


تراجع التصنيف الائتماني


تواجه الولايات المتحدة أيضاً ضغوطاً مرتبطة بتصنيفها الائتماني. ففي مايو/أيار 2025، خفضت وكالة «موديز» تصنيف الولايات المتحدة من أعلى درجة «AAA» إلى «Aa1»، لتنضم إلى «ستاندرد آند بورز» و«فيتش»، اللتين سبق أن خفضتا التصنيف في 2011 و2023.

 

ويعكس التصنيف الائتماني تقديرات وكالات التصنيف لقدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها المالية وسداد ديونها في مواعيدها.

 

وحذر الرئيس التنفيذي لبنك «جيه بي مورغان تشيس» جيمي ديمون من احتمال حدوث «تصدع» في سوق السندات.

 

في المقابل، يرى المستثمر راي داليو أن احتمال وقوع أزمة ديون أميركية وشيكة لا يزال منخفضاً جداً، لكنه يصف المخاطر طويلة الأجل بأنها مرتفعة، في ظل اقتراب الاقتصاد الأميركي، وفق تقديره، من نهاية دورة ديون طويلة الأمد.


كلفة التصحيح ترتفع

لا يوجد مستوى رقمي محدد يؤدي تجاوزه تلقائياً إلى اندلاع أزمة مالية، لكن حجم الإجراءات اللازمة لتحقيق استقرار الدين أصبح أكثر صعوبة.

 

ووفق أبحاث لخصها المكتب الوطني للبحوث الاقتصادية، يتطلب تثبيت نسبة الدين إلى الناتج المحلي تشديداً مالياً دائماً يعادل نحو 2.9% من الناتج، أي قرابة 827 مليار دولار سنوياً بالقيم الحالية.
ويقدر تشارلز شواب أن تحقيق الاستقرار يتطلب خفض العجز الأولي من نحو 3% من الناتج إلى قرابة 0.2%.

 

كما يشير نموذج موازنة بن وارتون إلى أن الولايات المتحدة قد لا تتمكن من تحمل نسبة دين تقارب 210% من الناتج بصورة مستدامة، مع احتمال تعرض سوق السندات لضغوط قبل بلوغ هذه النسبة إذا فقد المستثمرون الثقة في قدرة الحكومة على تصحيح مسار المالية العامة.

 


الرقم القياسي يخفي المشكلة الأكبر


حذرت الرئيسة والمديرة التنفيذية لمركز السياسات الحزبية مارغريت سبيلينغز من أن تجاوز 40 تريليون دولار يمثل مؤشراً واضحاً على اتساع الفجوة بين الإنفاق والإيرادات.

 

وأشارت إلى أن اضطراباً في قطاع الذكاء الاصطناعي أو ركوداً اقتصادياً أو اندلاع صراع كبير يمكن أن يحول التحدي المالي إلى أزمة واسعة.

 

لذلك، لا تكمن أهمية تجاوز الدين الأميركي حاجز 40 تريليون دولار في الرقم المجرد، بل في تزامنه مع ثلاثة مسارات متداخلة: ارتفاع الالتزامات إلى مستويات تقترب من حجم الاقتصاد، تصاعد فاتورة الفائدة إلى أكثر من تريليون دولار، واحتمال اتساع الفجوة بين معدل النمو

 

الاقتصادي وكلفة الاقتراض.

 

ويبقى الاختبار الأساسي أمام واشنطن مرتبطاً بقدرتها على الحفاظ على نمو اقتصادي قوي، وضبط العجز، واحتواء تكلفة خدمة الدين، مع استمرار ثقة المستثمرين في قدرة الحكومة الأميركية على إدارة التزاماتها المالية على المدى الطويل.


 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 9 + 1

اقرأ أيضاً