من 1949 إلى 2026.. رحلة الاتفاقات اللبنانية الإسرائيلية

2026.08.21 - 11:26
Facebook Share
طباعة

على امتداد 77 عاماً، تنقل لبنان وإسرائيل بين هدنة عسكرية وترتيبات أمنية وتفاهمات حدودية ومحاولات تسوية سياسية، من دون أن يصل المسار إلى معاهدة سلام مكتملة الأركان. وبين اتفاقات بقيت محدودة الأثر وأخرى تعثرت قبل استكمال مسارها، ظل العامل الأكثر حساسية مرتبطاً بقدرة الدولة اللبنانية على ترجمة أي التزام خارجي ضمن مؤسساتها الدستورية، وسط تعقيدات داخلية وإقليمية متواصلة.

اقرأ أيضاً:أبرز الأحداث الأمنية في لبنان بتاريخ 20 أغسطس 2026

 

من اتفاق رأس الناقورة عام 1949 إلى الإطار الثلاثي الموقع في واشنطن في 26 يونيو/حزيران 2026، تبدلت الظروف والأدوات، لكن السؤال بقي واحداً: هل يستطيع لبنان الانتقال من إدارة النزاع مع إسرائيل إلى إنهائه، من دون المساس بسيادته أو تجاوز مؤسساته الدستورية؟

 

هدنة 1949.. وقف القتال دون سلام

 

وُقّع اتفاق الهدنة العام بين لبنان وإسرائيل في رأس الناقورة في 23 مارس/آذار 1949، عقب حرب 1948 وصدور قرارات أممية مرتبطة بوقف العمليات العسكرية.

 

اتبع خط الهدنة، في جوهره، الحدود الدولية بين لبنان وفلسطين الانتدابية، من دون أن ينشئ تنازلاً عن الأراضي أو يمثل اعترافاً سياسياً شاملاً بإسرائيل.

قانونياً، كان النص إجراءً عسكرياً مؤقتاً لوقف الأعمال القتالية، وليس معاهدة سلام أو تطبيعاً للعلاقات. وظلت البيئة التشريعية اللبنانية لاحقاً مقيدة لأي تعامل مباشر مع إسرائيل، خصوصاً مع صدور قانون مقاطعتها في 23 يونيو/حزيران 1955 والمرسوم رقم 12562 عام 1963.

 

الاجتياحات تفتح طريق اتفاق 17 أيار

 

بعد عملية الليطاني عام 1978، صدر قرار مجلس الأمن 425 مطالباً بانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية وإنشاء قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان «اليونيفيل».

 

أدى اجتياح 1982 إلى تحرك سياسي برعاية أميركية، انتهى بتوقيع اتفاق 17 أيار 1983. وتضمن النص إنهاء حالة الحرب، وترتيبات أمنية في الجنوب، ولجاناً للاتصال وتسوية الخلافات، إلى جانب آليات للتنسيق بين الطرفين.

 

نص الاتفاق أيضاً على إيداعه لدى الأمم المتحدة، واشترط استكمال الإجراءات الدستورية لدى كل طرف.

 

لكن الظروف اللبنانية والإقليمية حالت دون تحوله إلى تسوية مستقرة. فقد جاء وسط الاحتلال الإسرائيلي والوجود السوري والانقسام الداخلي، قبل أن يُلغى عام 1984 تحت ضغوط داخلية وإقليمية.

اقرأ أيضاً:لبنان: قرار رئاسي مرتقب بشأن القوانين الجديدة

 

أظهرت التجربة أن توقيع أي نص لا يعني بالضرورة تحوله إلى التزام مستقر، خصوصاً عندما لا تكتمل الإجراءات الدستورية ولا يتوافر توافق سياسي ومؤسسي يسمح بتنفيذه.

 

تفاهمات التسعينيات.. إدارة الاشتباك

 

خلال تسعينيات القرن الماضي، اتجهت الاتصالات إلى تنظيم المواجهة بدلاً من التوصل إلى سلام شامل.

 

أسفرت تفاهمات 1993 ثم تفاهم نيسان 1996 عن قواعد تهدف إلى حماية المدنيين والحد من التصعيد، إلى جانب آلية للمراقبة شاركت فيها الولايات المتحدة وفرنسا وسوريا ولبنان وإسرائيل.

 

لم تحمل تلك الترتيبات صفة معاهدة سلام، بل جاءت كآليات مؤقتة لإدارة العمليات العسكرية وتقليص آثارها على السكان.

 

في عام 2000 انسحبت إسرائيل من معظم الأراضي اللبنانية التي كانت تحتلها، وفق خط أقرته الأمم المتحدة للتحقق من الانسحاب، بينما بقي الخلاف قائماً حول مزارع شبعا وعدد من النقاط الحدودية.

القرار 1701.. إطار دولي بعد حرب 2006

 

أعادت حرب 2006 رسم المشهد من خلال قرار مجلس الأمن 1701، الذي وضع إطاراً لوقف الأعمال العدائية وتعزيز انتشار الجيش اللبناني و«اليونيفيل» جنوب نهر الليطاني.

 

ارتبط القرار أيضاً بتطبيق القرارين 1559 و1680، وبسط سلطة الدولة اللبنانية على أراضيها، بما يشمل مبدأ حصرية السلاح والقرار الأمني بيد المؤسسات الرسمية.

 

غير أن تنفيذ هذه البنود ظل جزئياً، لتبقى المنطقة أمام معادلة أمنية لم تُحسم بصورة نهائية.

 

ترسيم الحدود البحرية.. تسوية محددة بلا تطبيع

 

مثّل اتفاق ترسيم الحدود البحرية لعام 2022 تحولاً مختلفاً في طبيعة المسار، إذ ركز على تحديد المنطقة الاقتصادية الخالصة وحقوق التنقيب عن الموارد، من دون أن يشكل معاهدة سلام أو تطبيعاً للعلاقات.

 

جاء التفاهم بوساطة أميركية، وفصل الملف البحري عن القضايا البرية والعسكرية الأوسع.

 

أثبتت التجربة إمكانية الوصول إلى ترتيب وظيفي ومحدود بين دولتين لا تربطهما علاقات دبلوماسية، عندما يكون الهدف محصوراً في إدارة مورد أو قضية محددة.

 

واشنطن 2026.. إطار يتجاوز الترتيبات السابقة

 

في 26 يونيو/حزيران 2026، وُقّع في واشنطن إطار ثلاثي بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة يتناول السيادة المعترف بها والأمن المتبادل والعلاقات السلمية.

 

بحسب النص المنشور، يقوم المسار على مراحل تشمل تعزيز دور الجيش اللبناني، ونزع سلاح الجماعات غير الحكومية والتحقق من ذلك، وانسحاباً إسرائيلياً تدريجياً، إلى جانب إنشاء آليات أمنية ومناطق اختبار وربط إعادة الإعمار بالمراقبة والشفافية.

 

وتكمن خصوصية هذا النص في عدم تقديمه باعتباره معاهدة سلام تقليدية مكتملة، بل إطاراً لمسار يفترض استكماله عبر إجراءات لاحقة ومؤسسات البلدين.

 

المادة 52.. العقدة الدستورية

 

تكتسب المسألة أهمية خاصة من زاوية الدستور اللبناني. فالمادة 52 تمنح رئيس الجمهورية صلاحية التفاوض في عقد المعاهدات وإبرامها بالاتفاق مع رئيس الحكومة، على أن تصبح نافذة بعد موافقة مجلس الوزراء، فيما تخضع فئات محددة منها لموافقة مجلس النواب.

 

كما تضع المادة 65 المعاهدات والاتفاقات الدولية ذات الأهمية ضمن المواضيع الأساسية التي تخضع لقواعد تصويت خاصة داخل مجلس الوزراء.

 

وبما أن إطار 2026 يتصل بالسيادة والأمن وحالة الحرب وإعادة الإعمار، فإن أثره القانوني الداخلي يرتبط بطبيعته النهائية وبالإجراءات التي ستُتخذ لاستكماله.

 

كذلك لا يعني أي تفاهم جديد إلغاء التشريعات اللبنانية القائمة تلقائياً، ومن بينها قانون مقاطعة إسرائيل لعام 1955 والمرسوم رقم 12562 لعام 1963. وأي تغيير في هذه المنظومة يحتاج إلى معالجة تشريعية صريحة إذا تطلب تنفيذ الالتزامات الجديدة ذلك.

 

77 عاماً.. المشكلة في التنفيذ

يكشف التسلسل التاريخي أن العقبة لم تكن دائماً غياب الصيغ السياسية أو القانونية، بل الفجوة بين ما يُكتب وما يمكن تطبيقه على الأرض.

 

هدنة 1949 أوقفت القتال من دون إنهاء النزاع، واتفاق 17 أيار تعثر قبل استكمال مساره، فيما اقتصرت تفاهمات التسعينيات على تنظيم المواجهة. أما القرار 1701 فقدم إطاراً دولياً لمرحلة ما بعد حرب 2006، بينما عالج اتفاق 2022 ملفاً بحرياً محدداً من دون فتح باب التطبيع.

 

يحاول إطار واشنطن 2026 توسيع نطاق المعالجة ليشمل الأمن والسيادة والانسحاب وإعادة الإعمار ضمن مسار واحد، لكن نجاحه سيبقى مرتبطاً بما يحدث بعد التوقيع: مدى التزام الأطراف بالتنفيذ، وقدرة المؤسسات اللبنانية على استكمال الإجراءات المطلوبة، وإمكان تحويل البنود المتعلقة بحصرية السلاح وقرار الحرب والسلم إلى واقع فعلي.

 

لذلك، فإن المسافة بين رأس الناقورة وواشنطن لا تختصرها السنوات وحدها، بل سلسلة من النصوص التي نجحت أحياناً في وقف النار أو تنظيم ملف محدد، لكنها لم تتمكن حتى الآن من إنتاج تسوية نهائية تنهي النزاع بصورة مستقرة.

 

 


 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 4 + 6