بعد احتجازه.. كيف مُحي مادورو من ذاكرة السلطة؟

2026.08.20 - 18:01
Facebook Share
طباعة

بدأت التحولات في فنزويلا بعد احتجاز الرئيس نيكولاس مادورو ونقله إلى الولايات المتحدة في الثالث من يناير/كانون الثاني، لتدخل البلاد مرحلة سياسية استثنائية كشفت انتقال السلطة من خطاب التحدي والتمسك بالرئيس إلى التعامل مع واقع جديد تقوده ديلسي رودريغيز.

اقرأ أيضاً:تونس تسجل أعلى حصيلة احتجاجات في 11 عامًا خلال يوليو

 

واجهت كاراكاس في الساعات الأولى صدمة العملية الأميركية بخطاب تصعيدي، إذ ظهرت رودريغيز عبر التلفزيون الرسمي محاطة بقيادات الدولة، ووصفت ما حدث بأنه «اختطاف»، مطالبة بالإفراج الفوري وغير المشروط عن مادورو وزوجته سيليا فلوريس.

 

أقرت المحكمة الفنزويلية لاحقًا تكليف رودريغيز بتولي الرئاسة مؤقتًا، لكن القرار قُدم بوصفه إجراءً اضطراريًا لتسيير مؤسسات الدولة وحمايتها في ظل غياب الرئيس، وليس بداية لعهد سياسي جديد أو تخليًا عن مادورو.

 

تمسكت القيادة الفنزويلية في البداية بمادورو باعتباره الرئيس الشرعي، ورفضت الطرح الأميركي الهادف إلى فرض واقع سياسي جديد في كاراكاس، بينما بقيت فكرة استعادة الرئيس المحتجز حاضرة في الخطاب الرسمي.

 

من المواجهة إلى التراجع

 

تصاعدت الضغوط الأميركية سريعًا، خصوصًا مع التهديد بإجراءات عسكرية جديدة إذا لم تستجب كاراكاس لمطالب واشنطن.

 

وحذّر الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في تصريحات نقلتها صحيفة «ذي أتلانتيك»، رودريغيز من دفع «ثمن باهظ جدًا، ربما أكبر مما دفعه مادورو» إذا لم تلتزم بما تريده الإدارة الأميركية.

 

دفعت هذه التهديدات القيادة الفنزويلية إلى تعديل خطابها، بعدما انتقلت رودريغيز من رفض التدخل الأميركي والتأكيد أن بلادها «لن تعود أبدًا مستعمرة لأي إمبراطورية»، إلى الدعوة للحوار والتعاون مع واشنطن.

 

ودعت رودريغيز الإدارة الأميركية عبر «تليغرام» إلى العمل ضمن «أجندة تعاون» تركز على التنمية المشتركة والحوار، مبررة التحول بالرغبة في الحفاظ على السلام وتجنيب الشعب الفنزويلي الحرب.

 

استندت رودريغيز في خطابها الجديد إلى موقف مادورو السابق من الحوار والسلام، لكن مضمون التحرك السياسي أظهر بداية التكيف مع الواقع الذي فرضه احتجازه.

 

واصل ترامب في المقابل التأكيد على أن واشنطن تمسك بزمام الأمور، وطالب بـ«الوصول الكامل» إلى النفط والموارد الفنزويلية، واضعًا التطورات ضمن مسار تغيير النظام وإعادة بناء البلاد.

اقرأ أيضاً:مفاوضات عراقية مع فصائل مسلحة لحسم ملف السلاح

 

النفط في قلب المرحلة الجديدة

 

انتقلت القيادة الفنزويلية لاحقًا إلى تقديم تنازلات اقتصادية وسياسية أوسع، شملت تسهيل وصول الشركات الأميركية إلى قطاع النفط، وإجراء تعديلات تشريعية لفتح الاقتصاد أمامها، والتعاون في بيع النفط تحت إشراف أميركي مباشر.

 

أفرجت الحكومة عن معتقلين أميركيين وسجناء سياسيين من دون مقابل تفاوضي تقليدي، في خطوة عكست حجم التحول في العلاقة مع واشنطن.

 

سوّقت شخصيات من داخل السلطة، بينهم نجل مادورو نيكولاس مادورو غيرا، هذا الانفتاح باعتباره امتدادًا لتوجيهات سابقة من الرئيس المحتجز، في محاولة لتبرير الانتقال من خطاب السيادة والمواجهة إلى سياسة أكثر مرونة.

 

تزامنت هذه التحولات مع اتصالات رفيعة المستوى بين كاراكاس وواشنطن، بينها زيارة مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية «CIA» إلى فنزويلا، إلى جانب تصريحات إيجابية من ترامب تجاه رودريغيز.

 

أصبحت الأولوية لدى القيادة الجديدة مرتبطة بالحفاظ على السلطة وتجنب الانهيار الاقتصادي، بدلًا من تحويل قضية مادورو إلى مواجهة مفتوحة مع الولايات المتحدة.

 

التخلي عن ملف مادورو

 

انتهت المفاوضات الرسمية التي استمرت أسبوعين بين الحكومة والمعارضة من دون طرح قضية الإفراج عن مادورو وزوجته سيليا فلوريس، بحسب المعطيات الواردة.

 

تراجعت بذلك نبرة الخطاب الأول الذي وصف احتجاز الرئيس بأنه «عدوان خسيس»، وتعهد بمواصلة التحرك حتى الإفراج عنه.

 

غابت القضية تدريجيًا عن أولويات السلطة، في تحول عكس انتقالها من محاولة استعادة مادورو إلى التعامل مع بقائه خارج البلاد.

 

أزيلت لوحات إعلانية وجداريات مؤيدة لمادورو من شوارع المدن الفنزويلية، بينما تراجع ذكره في الخطابات الرسمية للقيادة الجديدة.

 

عكست هذه الخطوات تحولًا في صورة الرئيس السابق داخل المشهد السياسي، بعدما كان محور الخطاب الرسمي لعقود من حكم التيار الذي أسسه هوغو تشافيز.

 

إعادة تشكيل السلطة

 

شرعت رودريغيز في إعادة هيكلة القيادات العسكرية، بالتزامن مع تقارب شخصيات من الحرس القديم مع واشنطن، ومن بينهم ديوسدادو كابيلو.

 

تركزت أجندة الحكومة على ملفات اقتصادية وسياسية، بينها استعادة الذهب، وإصلاح القضاء، وإطلاق سراح السجناء السياسيين، وإعادة ترتيب العلاقة مع الولايات المتحدة.

 

ابتعدت السلطة الجديدة بذلك عن خطاب المواجهة الذي ساد في الأيام الأولى، واتجهت إلى تسوية الملفات التي يمكن أن تساعدها على تثبيت مؤسسات الدولة والحفاظ على موقعها السياسي.

 

يواجه مادورو في المقابل محاكمته في بروكلين من دون أن تضع القيادة الجديدة قضية الإفراج عنه في صدارة مفاوضاتها، بعدما كان استعادته المطلب الأساسي لكاراكاس عقب احتجازه.

 

تحول تدريجي

 

تكشف التطورات أن خروج مادورو من المشهد لم يحدث بقرار واحد، بل مر بسلسلة مراحل بدأت بالتمسك بشرعيته والمطالبة بإطلاق سراحه، ثم التراجع أمام الضغوط الأميركية، وصولًا إلى إسقاط قضيته من المفاوضات وإبعاده عن الخطاب الرسمي.

 

انتقلت فنزويلا خلال فترة قصيرة من التهديد بأن أي تدخل أميركي سيشعل حربًا طويلة، ومن التحذير بأن النفط لن يغادر البلاد، إلى التعاون مع واشنطن في قطاع الطاقة وإعادة ترتيب العلاقة السياسية والاقتصادية معها.

 

أعاد هذا المسار تشكيل أولويات السلطة في كاراكاس، إذ أصبحت حماية الحكومة الجديدة من الانهيار الاقتصادي والسياسي أكثر إلحاحًا من استعادة الرئيس السابق.

 

ترك التحول مادورو أمام مساره القضائي في الولايات المتحدة، بينما تواصل رودريغيز إعادة ترتيب السلطة والعلاقات الخارجية، في مشهد يوضح كيف يمكن للضغط السياسي والاقتصادي والعسكري أن يدفع نظامًا متمسكًا بخطاب المواجهة إلى تغيير حساباته تدريجيًا.


 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 9 + 5