من الشفافية إلى السرية.. ماذا يخفي البنتاغون؟

2026.08.20 - 14:49
Facebook Share
طباعة

أثار قرار وزارة الدفاع الأميركية سحب تقارير اختبارات الأسلحة من الوصول العام نقاشاً جديداً حول حدود السرية العسكرية ومستوى الرقابة المدنية على برامج التسليح، بعدما اختفت من الموقع الرسمي للوزارة تقارير سنوية تمتد لنحو 25 عاماً.
وتتعلق الوثائق بتقارير مكتب مدير الاختبار والتقييم العملياتي، وهو جهاز أنشأه الكونغرس عام 1983 بهدف توفير تقييم مستقل لأداء أنظمة الأسلحة قبل اعتمادها، والتأكد من أن البرامج العسكرية تحقق المتطلبات المعلنة قبل إنفاق المزيد من الأموال عليها.

اقرأ أيضاً: المساعدة الغامضة.. كيف وصلت هارب إلى ترامب؟


حجة أمنية في مواجهة الشفافية
وبررت وزارة الدفاع القرار بمخاوف تتعلق بالأمن القومي، مشيرة إلى أن خصوماً للولايات المتحدة قد يستفيدون من تقنيات الذكاء الاصطناعي وأدوات تحليل البيانات لجمع معلومات متفرقة من وثائق غير سرية، ثم ربطها ببعضها لاستخلاص صورة عن نقاط الضعف المحتملة في أنظمة الدفاع الأميركية.
وتقول الوزارة إن نقل التقارير إلى شبكة داخلية آمنة يضمن استمرار وصول المسؤولين المخولين إليها، مع تقليل إمكانية استغلالها من جهات خارجية.
لكن الإجراء أثار تساؤلات مختلفة، خصوصاً أن التقارير كانت متاحة لسنوات أمام الكونغرس والباحثين والصحفيين والجمهور، كما أفاد منتقدون بأن بعض الروابط المباشرة إلى الوثائق لا تزال تعمل رغم إزالة صفحات الوصول إليها من موقع الوزارة.
ويترك ذلك مساحة للنقاش حول ما إذا كان الإجراء يستهدف حماية معلومات حساسة بالفعل، أم أنه يوسع نطاق المعلومات التي أصبحت بعيدة عن التدقيق العام.

اقرأ أيضاً: استنزاف ترسانة واشنطن يدفع البنتاغون لتسريع الإنتاج


مكتب يراقب صناعة التسليح
تنبع أهمية مكتب الاختبار والتقييم العملياتي من طبيعة دوره داخل منظومة الدفاع الأميركية. فالمكتب لا يتولى تطوير الأسلحة أو إنتاجها، بل يختبر أداءها ويقدم تقييماً مستقلاً بشأن قدرتها على تنفيذ المهام المطلوبة.
وقد كشفت تقاريره على مدى عقود عن مشكلات في عدد من البرامج العسكرية، وأشارت في حالات مختلفة إلى أن بعض الأنظمة تحتاج إلى تعديلات أو اختبارات إضافية قبل اعتبارها جاهزة للاستخدام.
ولهذا السبب، يرى مؤيدو استمرار نشر التقارير أن الاطلاع عليها لا يخدم الجمهور فقط، بل يوفر للكونغرس أداة إضافية لمراجعة الإنفاق العسكري والتأكد من أن البرامج التي تحصل على مليارات الدولارات تحقق النتائج المطلوبة.
في المقابل، تقول الجهات الداعمة لقرار الحجب إن طبيعة التهديدات الحديثة تغيرت، وإن ما كان يبدو غير حساس قبل سنوات يمكن أن يصبح أكثر أهمية عندما تجمعه أنظمة تحليل حديثة مع معلومات أخرى متاحة علناً.


تقليص الدور قبل حجب التقارير
ويأتي القرار في وقت يشهد فيه المكتب نفسه تغييرات كبيرة في حجم موارده ونطاق عمله.
وبحسب المعطيات الواردة في تقارير رقابية أميركية، تراجع عدد الموظفين المدنيين المصرح بهم في المكتب من 126 إلى نحو 30 موظفاً، بالتزامن مع مقترحات لخفض موازنته خلال عام 2027 وتقليص عدد البرامج التي يشرف عليها.
ويرى منتقدون أن تقليص القدرات البشرية للمكتب في وقت تتوسع فيه برامج التسليح الأميركية قد يضعف قدرته على إجراء الاختبارات اللازمة ومتابعة عدد كبير من المشاريع المعقدة.
وأشارت تقارير رقابية إلى أن الموظفين المتبقين يواجهون أعباء متزايدة، فيما لا تتوافر دائماً الخبرات المتخصصة الكافية لتغطية جميع البرامج التي تحتاج إلى تقييم.


مقاتلة أف 35 في قلب الجدل
وزادت القضية حساسية مع حجب تقرير لمكتب المحاسبة الحكومية يتعلق ببرنامج المقاتلة أف 35 بعد وضعه ضمن فئة المعلومات غير السرية الخاضعة للضبط.
ويعد البرنامج من أكبر مشاريع التسليح الأميركية من حيث التكلفة والتعقيد، وسبق أن واجه انتقادات تتعلق بالنفقات ومشكلات الجهوزية والصيانة والأداء التشغيلي.
ويرى منتقدون أن حجب المعلومات المتعلقة بمثل هذه البرامج يقلل قدرة المشرعين والرأي العام على تقييم العلاقة بين الأموال التي تنفقها الحكومة والنتائج الفعلية التي تحققها الأنظمة العسكرية.


الرقابة أمام توسع الإنفاق
وتزداد أهمية الجدل في ظل توجه وزارة الدفاع نحو مشاريع تسليح جديدة واسعة النطاق، بينها منظومات للدفاع الصاروخي وبرامج بحرية متقدمة ومشاريع أخرى ذات تكاليف مرتفعة.
ويقول منتقدو تقليص دور مكتب الاختبار إن البرامج الجديدة، خصوصاً تلك التي تعتمد على تقنيات لم تثبت فعاليتها بالكامل، تحتاج إلى رقابة مستقلة في المراحل الأولى أكثر من حاجتها إلى تقليصها.
في المقابل، تواجه الوزارة معادلة صعبة بين حماية المعلومات العسكرية والحفاظ على مستوى كاف من الشفافية. فإتاحة جميع التفاصيل التقنية للجمهور قد تخلق مخاطر أمنية حقيقية، لكن حجب نطاق واسع من الوثائق قد يجعل تقييم أداء البرامج العسكرية أكثر صعوبة.


أين ينتهي الأمن وتبدأ الرقابة؟
لا يعني سحب التقارير من المواقع العامة بالضرورة أن البنتاغون يخفي وجود عيوب في الأسلحة أو أن الأنظمة العسكرية الأميركية تعاني من مشكلات غير معلنة. كما أن استمرار بعض الروابط المباشرة للوثائق يشير إلى أن العملية لم تكن بالضرورة إخفاءً كاملاً للمعلومات.
لكن أهمية الخطوة تكمن في أثرها على آلية الرقابة نفسها. فاختبارات الأسلحة وجدت أساساً للتأكد من أن البرامج العسكرية لا تنتقل من مرحلة التطوير إلى الخدمة لمجرد توفر التمويل أو الضغط السياسي، بل بعد إثبات قدرتها على أداء المهام المطلوبة.
ومن هنا، فإن السؤال الأساسي الذي يطرح نفسه لا يتعلق فقط بمحتوى التقارير المحجوبة، وإنما بالتوازن الذي ستعتمده واشنطن بين السرية العسكرية وحق المؤسسات الرقابية والجمهور في معرفة كيفية إنفاق الأموال العامة، ومدى جاهزية الأسلحة التي تمولها. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 10 + 6