القمح تحت النار.. البحر الأسود يهدد خبز العالم

2026.08.20 - 14:27
Facebook Share
طباعة

تدخل سوق القمح العالمية مرحلة أكثر تعقيداً مع تصاعد الهجمات الروسية والأوكرانية على الموانئ والمنشآت المرتبطة بتجارة الحبوب في البحر الأسود، ما أدى إلى تعطيل شحنات ورفع كلفة النقل والتأمين، في وقت تعتمد فيه دول مستوردة رئيسية على المنطقة لتأمين جزء كبير من احتياجاتها.

وتأتي التطورات خلال فترة حساسة من الموسم الزراعي، إذ تتزامن مع ذروة عمليات تصدير الحبوب، ما يجعل أي تعطيل في الموانئ أكثر تأثيراً في مواعيد التسليم والأسعار.

اقرأ أيضاً: لبنان.. اقتصاد يعيش على فجوة الخارج


ارتفاع الأسعار يسبق نقص الإمدادات

انعكست المخاوف سريعاً على الأسواق، إذ ارتفعت العقود القياسية للقمح في شيكاغو بأكثر من 17% منذ بداية تموز، بالتزامن مع ارتفاع أسعار القمح المتاح من مصادر بديلة مثل الولايات المتحدة وأستراليا والأرجنتين.

ولا يعني ذلك بالضرورة وجود نقص عالمي فعلي في القمح حتى الآن، لكن الأسواق بدأت تسعّر مخاطر تعطل الإمدادات، خصوصاً مع تزايد الصعوبات التي تواجه السفن المتجهة إلى الموانئ الروسية والأوكرانية.

وأدت الهجمات الأخيرة إلى إغلاق بعض محطات الحبوب وتأخير عمليات التحميل، فيما واجهت شحنات كان يفترض وصولها إلى المستوردين الآسيويين منذ منتصف آب صعوبات في الانطلاق.

ويقول تجار إن عدداً متزايداً من مالكي السفن أصبح أكثر حذراً في دخول الموانئ الواقعة ضمن مناطق الخطر، الأمر الذي يضيف عنصراً جديداً إلى أزمة الإمداد، يتمثل في توفر السفن القادرة والراغبة في نقل الحبوب.

اقرأ أيضاً: ليبيا تراجع اعتمادات بـ146.7 مليون دولار وتوقف 27 شركة


آسيا تبحث عن بدائل

تبدو دول آسيوية بين الأكثر تعرضاً لتداعيات اضطراب البحر الأسود، بعدما تعاقدت مطاحن في المنطقة على ما يقدر بين مليوني و2.5 مليون طن من القمح القادم من البحر الأسود للوصول بين تموز وأيلول.

وتعادل هذه الكمية نحو 30 إلى 50% من احتياجاتها الاستيرادية خلال الفترة، ما يجعل أي تأخير في الشحنات عاملاً مؤثراً في حسابات المستوردين.

وتبرز إندونيسيا في مقدمة الدول التي تراقب التطورات، إذ تعاقدت على نحو 600 ألف طن من القمح من دول الاتحاد السوفياتي السابق للفترة نفسها.

ورغم أن المخزونات الحالية تكفي لتغطية الاحتياجات العاجلة، فإن مطاحن إندونيسيا تدرس خيارات أخرى، بينها شراء القمح من أستراليا ورومانيا وبلغاريا والأرجنتين، في حال استمر اضطراب الشحنات القادمة من روسيا وأوكرانيا.

اقرأ أيضاً: صندوق الاستثمارات السعودي يسجل تراجعًا في العائد خلال 2025


مصر أمام اختبار مزدوج

وتواجه مصر، أكبر مستورد للقمح عالمياً، تحدياً أكثر حساسية نظراً إلى اعتمادها الكبير على البحر الأسود.

وخلال النصف الأول من العام الحالي، جاء أكثر من 82% من واردات مصر من القمح من روسيا وأوكرانيا، وفق البيانات المتداولة عن التجارة المصرية.

وساعد ارتفاع مشتريات الحكومة من القمح المحلي على تخفيف الضغط على الإمدادات الحكومية، إلا أن القطاع الخاص يبقى أكثر تعرضاً للتقلبات الخارجية، نظراً إلى اعتماده الكبير على الاستيراد وامتلاكه مخزونات أقل مقارنة بالقطاع الحكومي.

ويعني استمرار اضطراب الشحن أن أي تأخير طويل قد يرفع تكاليف الاستيراد ويجبر المطاحن والمشترين على البحث عن مصادر أبعد.


دول عربية أخرى تحت الضغط

ولا تقتصر المخاوف على مصر، إذ تعتمد دول عدة في شمال أفريقيا والشرق الأوسط وآسيا على القمح القادم من منطقة البحر الأسود، من بينها الجزائر والأردن وتونس، إلى جانب بنغلادش وتايلاند وفيتنام.

وفي الأردن، ألغيت خلال الشهر الحالي مناقصتان لشراء القمح وأخريان للشعير، وسط تراجع العروض وارتفاع الأسعار ومخاطر النقل.

أما تونس، فوجهت تحذيرات إلى الموردين بشأن استخدام بند «القوة القاهرة»، في مؤشر على حساسية الأسواق تجاه احتمال عدم الالتزام بمواعيد التوريد.

وتزداد أهمية هذه التطورات بالنسبة للدول التي تعتمد على الاستيراد لتأمين احتياجاتها الأساسية، خصوصاً في ظل محدودية قدرتها على تعويض أي نقص سريعاً من الإنتاج المحلي.


البديل موجود لكنه أغلى

المشكلة الرئيسية لا تتمثل في غياب القمح من الأسواق العالمية، بل في ارتفاع تكلفة الوصول إليه.

ويتراوح سعر القمح القادم من البحر الأسود حالياً بين 260 و280 دولاراً للطن، بينما يصل سعر القمح الأمريكي الأرخص إلى نحو 305 دولارات، في حين يتراوح القمح الأسترالي الممتاز بين 315 و320 دولاراً للطن، شاملاً تكاليف الشحن إلى آسيا.

ويعني ذلك أن التحول إلى موردين آخرين يمكن أن يحافظ على تدفق الإمدادات، لكنه قد يرفع فاتورة الاستيراد، وهو ما قد ينتقل لاحقاً إلى أسعار الدقيق والمنتجات الغذائية إذا استمرت الاضطرابات لفترة طويلة.


البحر الأسود يفقد هامش الأمان

وتشير التطورات الأخيرة إلى تراجع هامش الأمان الذي سمح خلال فترات سابقة باستمرار حركة صادرات الحبوب من روسيا وأوكرانيا رغم الحرب.

ففي تموز، قالت وزارة البنية التحتية الأوكرانية إن الموانئ والمنشآت المرتبطة بالنقل البحري تعرضت لعشرات الهجمات، بينها هجمات استهدفت سفناً داخل الموانئ وأخرى وقعت في البحر، إضافة إلى ضربات طالت منشآت مرفئية.

كما تعرضت سفينة كان من المقرر أن تنقل حبوباً إلى مصر لهجوم أثناء اقترابها من ميناء نوفوروسيسك الروسي، وفق مصادر مطلعة، من دون أن تكون محملة وقت وقوع الحادث أو تسجيل إصابات.

وتضيف هذه الوقائع مخاطر جديدة إلى تجارة الحبوب، لأن استمرار الهجمات لا يؤثر فقط في الموانئ، بل في قرارات شركات النقل والتأمين والمشترين.


هل يصل التأثير إلى الخبز؟

في المدى القريب، لا تشير المعطيات بالضرورة إلى أزمة عالمية في توفر القمح، لكن استمرار تعطيل موانئ البحر الأسود قد يدفع الأسواق إلى الاعتماد بصورة أكبر على مصادر أبعد وأكثر كلفة.

ويعتمد حجم التأثير النهائي على مدة الاضطرابات، وقدرة روسيا وأوكرانيا على مواصلة التصدير، ومدى استعداد الدول المستوردة لتكوين مخزونات إضافية، فضلاً عن تطورات أسعار الطاقة والشحن.

وبالتالي، فإن الخطر الأساسي في المرحلة الحالية لا يتمثل في اختفاء القمح من الأسواق، بل في ارتفاع تكلفة تأمينه ونقله. وإذا طال أمد الأزمة، فقد تتحول الزيادة في تكاليف التجارة إلى ضغط مباشر على أسعار الدقيق والخبز والمنتجات الغذائية في عدد من الدول الأكثر اعتماداً على الواردات. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 2 + 1