تشهد الضفة الغربية خلال الفترة الأخيرة اتساعاً في نشاط البؤر الاستيطانية، مع ظهور مواقع جديدة وإعادة إنشاء أخرى سبق إخلاؤها، بالتوازي مع ارتفاع وتيرة الاعتداءات التي ينفذها مستوطنون بحق الفلسطينيين وممتلكاتهم وأراضيهم، وفق تقارير أممية وحقوقية ومعطيات محلية.
ولا يقتصر انتشار هذه البؤر على منطقة جغرافية واحدة، إذ تسجل تحركات في محيط رام الله ونابلس وجنوب الخليل ومناطق أخرى من الضفة، بما في ذلك مناطق تقع ضمن تصنيفات إدارية مختلفة.
اقرأ أيضاً: احتجاز ومنع واعتقال.. 1327 واقعة بحق الصحافيين الفلسطينيين
بؤر جديدة ومواقع تعود
في بلدة قصرة جنوب نابلس، برزت خلال الفترة الأخيرة مواجهة حول بؤرة استيطانية أقيمت بالقرب من منزل الفلسطيني لؤي أبو ريدة، الذي عاد إلى المنطقة بعد فترة قضاها في الولايات المتحدة.
وبحسب إفادته، وجد عند عودته منزله محاطاً بالمستوطنين والقوات الإسرائيلية، فيما شهد محيط المنزل مناوشات وانتشاراً عسكرياً.
وتأتي هذه الحادثة ضمن سلسلة من التطورات المشابهة التي تشهدها مناطق مختلفة، حيث تظهر بؤر جديدة أو تعود مواقع سبق أن أزيلت، قبل أن تتحول تدريجياً إلى نقاط ثابتة على الأرض.
وفي برقة وأم صفا قرب رام الله، أقيمت بؤر جديدة خلال الفترة الأخيرة، بينما أعيد بناء بؤرة في وادي الرخيم بمسافر يطا بعد إزالة سابقة لها.
وتقول شهادات من سكان المنطقة إن بعض الاعتداءات تنطلق من محيط هذه المواقع، فيما يواجه السكان الفلسطينيون قيوداً متزايدة على الوصول إلى أراضيهم واستثمارها.
اقرأ أيضاً: أسطول الصمود: وائل نوار يبدأ إضراباً عن الطعام
أرقام تعكس اتساع الظاهرة
وتشير تقديرات وتقارير دولية ومحلية إلى وجود أكثر من 700 بؤرة استيطانية في الضفة الغربية، تشمل مواقع رعوية وزراعية وسكنية، في حين يبلغ عدد المستوطنات التي تعترف بها السلطات الإسرائيلية نحو 160 مستوطنة، وفق البيانات المشار إليها.
ويختلف توصيف البؤر عن المستوطنات من الناحية القانونية والإدارية داخل إسرائيل، إلا أن استمرار نموها على الأرض يجعلها جزءاً من المشهد الاستيطاني المتوسع في الضفة.
وفي موازاة ذلك، تظهر بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية ارتفاعاً في عدد الحوادث المرتبطة بعنف المستوطنين، إذ جرى تسجيل أكثر من 1200 حادثة سنوياً خلال الفترة بين عامي 2023 و2025، وشملت اعتداءات على أشخاص وممتلكات وأراضٍ.
كما تشير المعطيات ذاتها إلى سيطرة البؤر الرعوية خلال السنوات الأخيرة على مساحات واسعة من الأراضي، قدرت بأكثر من 60 ألف دونم.
اقرأ أيضاً: أبرز الأحداث الأمنية في غزة والضفة الغربية بتاريخ 18_8_2026
التوسع لا يقاس بعدد البؤر
ويرى باحثون في الشأن الإسرائيلي أن قياس التوسع الاستيطاني بعدد المواقع وحده لا يعكس كامل التحول الجاري على الأرض.
ويشير الخبير في الشؤون الإسرائيلية سليمان بشارات إلى أن السياسة المتبعة تقوم، وفق تقديره، على التوسع التدريجي وخلق وقائع جديدة عبر إقامة نقاط استيطانية صغيرة ثم تطويرها مع مرور الوقت.
وتكتسب البؤر الرعوية أهمية خاصة في هذا السياق، نظراً إلى أن وجود عدد محدود من الأشخاص في موقع معين يمكن أن يرتبط بمساحات أوسع تستخدم للرعي أو الزراعة أو الوصول إلى مصادر المياه والطرق.
وبهذه الطريقة، يمكن أن يمتد تأثير البؤرة إلى مساحة تتجاوز حدود المباني أو المنشآت المقامة فيها، وهو ما يجعل أثرها الجغرافي أكبر من حجمها المباشر.
الاعتداءات والقيود على السكان
ويتزامن التوسع في البؤر مع استمرار تسجيل حوادث عنف واحتكاكات بين المستوطنين والفلسطينيين.
وتشمل هذه الحوادث، بحسب التقارير الدولية، الاعتداء الجسدي، وإلحاق أضرار بالممتلكات، وإحراق مركبات أو منازل، والاعتداء على الأراضي الزراعية، إضافة إلى منع أو تقييد الوصول إلى بعض المناطق.
ولا تتعامل جميع الحالات بالطريقة نفسها، كما تختلف الظروف الأمنية والقانونية من منطقة إلى أخرى، إلا أن تراكم الحوادث يترك تأثيراً مباشراً على حياة السكان، خصوصاً في المناطق الريفية التي تعتمد على الزراعة والرعي.
وتظهر قضية قصرة ومسافر يطا وبرقة وأم صفا نماذج مختلفة من هذه الإشكالية، حيث يتداخل النشاط الاستيطاني مع استخدام الأراضي وحرية الحركة والوصول إلى الممتلكات الخاصة.
واقع قانوني وسياسي معقد
وتقع الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، تحت الاحتلال الإسرائيلي منذ عام 1967، بينما تعتبر الأمم المتحدة ومعظم المجتمع الدولي المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة مخالفة للقانون الدولي.
وتقول إسرائيل من جانبها إن قضايا الاستيطان والسيادة على الأراضي يجب أن تعالج ضمن تسوية سياسية مباشرة، فيما تتباين المواقف داخل إسرائيل نفسها بشأن طبيعة التوسع الاستيطاني وحدوده.
لكن التطورات الميدانية تضيف عاملاً جديداً إلى أي مسار سياسي محتمل، إذ إن زيادة عدد المواقع وتوسع المساحات المرتبطة بها يمكن أن يجعل أي ترتيبات مستقبلية بشأن الأراضي أكثر تعقيداً.
واقع يتغير على الأرض
ولا تبدو المسألة مرتبطة فقط بإقامة بؤر جديدة، بل بالمسار الذي يمكن أن تسلكه هذه المواقع بعد إنشائها، ومدى تحولها إلى تجمعات مستقرة، وما يرافق ذلك من تغير في استخدام الأراضي وشبكات الطرق ومساحات الرعي والزراعة.
ومن هذا المنظور، فإن التوسع الاستيطاني يطرح سؤالاً يتجاوز الأرقام: كيف يمكن للتغيرات المتراكمة على الأرض أن تؤثر في شكل الضفة الغربية ومستقبل أي تسوية سياسية بشأنها؟
ومع استمرار إقامة البؤر وتوسع بعضها، إلى جانب استمرار حوادث العنف والقيود المفروضة على الحركة والوصول إلى الأراضي، تتزايد أهمية التعامل مع التطورات الميدانية باعتبارها عاملاً أساسياً في رسم مستقبل الضفة، وليس مجرد سلسلة من الحوادث المنفصلة.