حين تفشل السوق ويغيب الردع: من يحمي المستهلك في لبنان؟

2026.08.20 - 13:22
Facebook Share
طباعة

يعود ملف ضبط الأسعار في لبنان إلى الواجهة مع استمرار ارتفاع كلفة عدد من السلع والخدمات، بالتزامن مع نقاش اقتصادي حول حدود تدخل الدولة في السوق، ودور المنافسة في تحديد الأسعار، ومدى فاعلية الإجراءات الرقابية والعقوبات في الحد من المخالفات.
ويتبنى وزير الاقتصاد عامر البساط مقاربة تقوم على الحد من التسعير المباشر والتوسع في الرقابة على الأسواق، انطلاقاً من أن فرض الأسعار بصورة واسعة قد يؤدي، في بعض الحالات، إلى نتائج غير مقصودة، مثل تخزين السلع أو حجبها أو تهريبها.
وتستند هذه الرؤية إلى مبدأ اقتصادي يقوم على ترك الأسعار لتفاعل العرض والطلب عندما تتوافر المنافسة، مع تدخل الدولة لمراقبة الالتزام بالقوانين ومواجهة المخالفات.

اقرأ أيضاً: من "المصنع" إلى السعودية.. عودة الصادرات اللبنانية


بين النظرية وخصوصية السوق اللبنانية
يفترض نموذج السوق التنافسية أن وجود عدد كاف من الموردين والتجار يمنح المستهلك إمكانية الانتقال بين أكثر من خيار، بما يساعد على الحد من الزيادات غير المبررة في الأسعار.
لكن تطبيق هذه القاعدة يختلف من قطاع إلى آخر، إذ تتباين طبيعة الأسواق اللبنانية من حيث عدد المستوردين والموزعين، وحجم المنافسة، وسهولة دخول جهات جديدة إلى بعض القطاعات.
ومن هنا يبرز نقاش اقتصادي حول مدى كفاية آليات العرض والطلب وحدها في بعض الأسواق، ولا سيما عندما تكون الخيارات المتاحة أمام المستهلك محدودة، أو عندما ترتبط السلعة أو الخدمة بحاجات أساسية يصعب الاستغناء عنها.
وبالتالي، فإن ترك الأسعار لتحديد السوق يفترض أولاً توافر مستوى مناسب من المنافسة يسمح للمستهلك بالاختيار بين بدائل متعددة.

اقرأ أيضاً: لبنان.. القطاع العام يصعّد معركة المفعول الرجعي


ارتفاع الأسعار يعيد النقاش
يأتي ذلك في ظل ارتفاعات سجلتها أسعار مجموعة من السلع والخدمات خلال الفترة الماضية.
وبحسب مؤشر جمعية المستهلك، ارتفعت الأسعار بنسبة 19.05% خلال النصف الأول من عام 2026، وفق البيانات الواردة في المؤشر، الذي يشمل 140 سلعة وخدمة أساسية.
وترتبط بعض الزيادات بعوامل يمكن أن تنعكس مباشرة على كلفة السلع، ومنها أسعار الاستيراد والطاقة والنقل والشحن، إلا أن تحديد مدى ارتباط سعر البيع بهذه التكاليف يحتاج إلى متابعة آليات التسعير داخل كل قطاع.
وهنا تبرز مهمة الأجهزة الرقابية في التحقق من مدى التزام المؤسسات بالقوانين، ومراقبة الممارسات التجارية، والتأكد من عدم وجود مخالفات تتعلق بالأسعار أو شروط البيع أو حماية المستهلك.

اقرأ أيضاً: أساتذة الجامعة اللبنانية يهددون بالإضراب في الأول من أيلول


المولدات نموذجاً
يقدم قطاع المولدات الخاصة مثالاً على تعقيدات العلاقة بين التسعير الرسمي وظروف السوق.
ففي عدد كبير من المناطق، يعتمد السكان على المولدات الخاصة لتأمين جزء من احتياجاتهم من الكهرباء، في ظل تفاوت قدرة شبكة الكهرباء العامة على تأمين التغذية.
وتصدر وزارة الطاقة تسعيرة شهرية للمولدات، بينما تتولى الجهات المختصة متابعة مدى الالتزام بها واتخاذ الإجراءات القانونية عند تسجيل مخالفات.
إلا أن تطبيق التسعيرة يتطلب تعاون أكثر من جهة، إذ تبدأ الإجراءات الرقابية بوزارة الاقتصاد، وقد تنتقل عند الحاجة إلى البلديات والأجهزة الأمنية والقضاء، بحسب طبيعة المخالفة والإجراءات القانونية المطلوبة.
وفي هذا السياق، شهدت مدينة طرابلس خلال الأيام الأخيرة إجراءات شملت مصادرة أكثر من عشرة مولدات وتسليمها إلى البلدية، بناء على إشارة النائب العام الاستئنافي في الشمال، وفق ما أعلنه المدير العام لوزارة الاقتصاد محمد أبو حيدر.
كما صدرت توجيهات إلى أمن الدولة للتحرك في ملف «تجار الأزمات»، ومن بينهم بعض أصحاب المولدات، بحسب المعطيات المعلنة.


حدود التسعير المباشر
لا يعني ذلك أن التسعير المباشر يمثل الحل الوحيد لضبط الأسواق، كما أن التخلي عنه بصورة كاملة لا يشكل بالضرورة حلاً مناسباً لكل القطاعات.
فالسياسات الاقتصادية تختلف بحسب طبيعة السلعة أو الخدمة، ومدى المنافسة، وحجم العرض، وإمكانية دخول منافسين جدد، وقدرة المستهلك على تغيير المورد.
ومن الخيارات التي يمكن أن تعتمدها الدولة، بحسب طبيعة كل قطاع، الرقابة على الأسعار، وتعزيز المنافسة، ومكافحة الممارسات المخالفة، وتحديد هوامش أو معايير تسعير لبعض الخدمات التي تتمتع بخصوصية معينة، إضافة إلى تطبيق العقوبات المنصوص عليها في القانون.
وفي هذا الإطار، أشار أبو حيدر إلى قانون حماية المستهلك الجديد، معتبراً أن رفع قيمة الغرامات يمكن أن يعزز قدرتها على الردع ويزيد من فاعلية الإجراءات المتخذة بحق المخالفين.


الرقابة بين الاقتصاد والقانون
يبقى التحدي الأساسي في تحويل القرارات الاقتصادية إلى إجراءات قابلة للتطبيق، خصوصاً عندما تتطلب المخالفة أكثر من مرحلة إدارية أو قانونية.
فالرقابة على الأسعار لا تقتصر على إصدار قرار بالتسعير، وإنما تشمل آليات التحقق، وتنظيم محاضر الضبط، وتحديد المسؤوليات، ثم متابعة الملف أمام الجهات المختصة عند الحاجة.
ومن جهة أخرى، فإن فعالية أي سياسة لضبط الأسعار ترتبط أيضاً بقدرة المستهلك على الوصول إلى المعلومات ومقارنة الأسعار، وبوجود عدد كاف من الخيارات في السوق.
وبذلك، يصبح دور الدولة مزدوجاً: حماية المنافسة عندما تكون ممكنة، والتدخل في القطاعات التي تستدعي تنظيماً خاصاً، مع الحفاظ في الوقت نفسه على تدفق السلع ومنع الإجراءات التي قد تؤدي إلى نقصها. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 2 + 2