تناقض بين القانون والممارسة
أعاد تسليم السلطات اللبنانية اللواء السوري السابق عادل عيسى إلى دمشق، بعد أيام قليلة من إقرار مجلس النواب اللبناني إلغاء عقوبة الإعدام، طرح تساؤلات حادة بشأن مدى اتساق السياسة الحقوقية اللبنانية مع ممارساتها القضائية، خصوصاً في ظل عدم إعلان ضمانات سورية واضحة تحول دون صدور حكم بالإعدام بحقه.
اقرأ أيضاً: بعد توقيفه في لبنان.. عادل عيسى في دمشق
إلغاء الإعدام
في 11 آب، أقر مجلس النواب اللبناني إلغاء عقوبة الإعدام، في خطوة قُدمت باعتبارها تحولاً في السياسة الحقوقية للدولة، ورسالة تؤكد التزام لبنان بحماية الحق في الحياة وتعزيز ضمانات المحاكمة العادلة.
لكن تسليم عيسى إلى دمشق بعد أيام فقط أعاد فتح النقاش حول مدى اتساق هذا المبدأ مع قرارات التسليم إلى دول قد تكون عقوبة الإعدام ما زالت قائمة في منظومتها القانونية.
اقرأ أيضاً: لبنان يدين غارات إدلب ويحذّر من انفجار إقليمي
تسليم يثير الأسئلة
لا يتعلق الجدل بتبرئة عيسى أو نفي الاتهامات المنسوبة إليه، إذ إن أي شخص تثبت مسؤوليته عن جرائم يجب أن يخضع للمساءلة أمام القضاء المختص.
لكن الإشكالية الأساسية تتمثل في مصير الشخص الذي تسلمه دولة ألغت الإعدام من قوانينها إلى دولة قد يواجه أمام قضائها حكماً بهذه العقوبة، في ظل عدم إعلان ضمانة سورية واضحة بعدم إصدار الحكم أو تنفيذه.
اقرأ أيضاً: أساتذة الجامعة اللبنانية يهددون بالإضراب في الأول من أيلول
ضمانة غائبة
كان وزير العدل اللبناني عادل نصار قد قدم إلغاء عقوبة الإعدام باعتباره خطوة يمكن أن تساعد لبنان في استرداد مطلوبين من دول ترفض تسليم أشخاص قد يواجهون خطر الإعدام.
ومن هنا يبرز السؤال حول مدى اتساق هذا المبدأ مع تسليم عيسى من دون إعلان وجود ضمانة مماثلة من الجانب السوري.
فإذا كانت بيروت تطلب ضمانات حقوقية من الدول الأخرى عندما تسعى إلى استرداد مطلوبين، فإن المنطق نفسه يفرض عليها توفير ضمانات مماثلة عندما تسلّم أشخاصاً إلى دول قد يواجهون فيها عقوبة الإعدام.
مسؤولية قضائية
ويضع القرار مدعي عام التمييز أمام مسؤولية مباشرة، باعتبار أن إجراءات التسليم تمت في عهده وتحت إشراف السلطة القضائية المختصة.
ويثير ذلك تساؤلات حول ما إذا كانت السلطات اللبنانية قد طلبت بالفعل تعهداً رسمياً بعدم الحكم على عيسى بالإعدام أو تنفيذ هذه العقوبة بحقه، وما إذا كان هذا التعهد قد شكل شرطاً مسبقاً لعملية التسليم.
مسؤولية سياسية
ولا تقتصر الأسئلة على الجانب القضائي، بل تمتد إلى المستوى السياسي، خصوصاً في ظل الحديث عن مساعٍ لتسريع عملية التسليم.
فإلغاء عقوبة الإعدام باعتباره إنجازاً حقوقياً يفترض أن ينسجم مع السياسات الحكومية والقضائية، بما يمنع إعادة إنتاج العقوبة بصورة غير مباشرة عبر تسليم أشخاص إلى دول قد تكون معرضة فيها حياتهم للخطر.
السؤال الحاسم
ويبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: هل حصل لبنان على ضمانة رسمية واضحة من دمشق بعدم الحكم على عادل عيسى بالإعدام أو تنفيذ العقوبة بحقه؟
إذا كانت الضمانة موجودة، فإن إعلانها للرأي العام يضع عملية التسليم في إطار قانوني وحقوقي أكثر وضوحاً. أما إذا لم تكن موجودة، فإن التناقض بين إلغاء عقوبة الإعدام داخلياً وتسليم شخص إلى قضاء قد يحكم بها عليه سيبقى موضع مساءلة سياسية وقانونية.
اختبار لمبدأ الحق في الحياة
تضع قضية عادل عيسى لبنان أمام اختبار حقيقي لمدى ثبات مواقفه الحقوقية، إذ لا تكفي القوانين وحدها لإثبات الالتزام بمبدأ الحق في الحياة، ما لم تنعكس هذه المبادئ أيضاً على قرارات التسليم والتعاون القضائي مع الدول الأخرى.