لبنان.. اقتصاد يعيش على فجوة الخارج

2026.08.19 - 13:10
Facebook Share
طباعة

إذا كان يفترض بالأزمة التي بدأت في عام 2019 أن تدفع لبنان إلى إعادة النظر في النموذج الاقتصادي الذي راكم الاختلالات لعقود، فإن أحدث أرقام «ستاندرد أند بورز» تشير إلى نتيجة مختلفة.

اقرأ أيضاً : مفاوضات أيلول تبحث ترتيبات تلة علي الطاهر


اقرأ أيضاً : أطباء بلا حدود في لبنان.. 50 عاماً بين الحرب والأزمات

 

فالاقتصاد اللبناني لم ينتقل إلى نموذج إنتاجي جديد، بقدر ما خسر جزءاً كبيراً من قدرته على تمويل النموذج القديم.

 

وفي تقريرها الصادر في 14 آب/أغسطس 2026، أبقت الوكالة تصنيف لبنان بالعملة الأجنبية عند مستوى التعثر الانتقائي «SD»، بينما أبقت التصنيف الطويل الأجل بالليرة عند «CCC+» مع نظرة مستقرة.

 

ورغم التحسن المسجل في بعض المؤشرات، ولا سيما المالية العامة، ترى الوكالة أن الاختلالات الخارجية لا تزال عميقة، بما يعكس استمرار اعتماد الاقتصاد على مصادر التمويل الخارجي لتغطية الفجوة بين التدفقات الداخلة والمدفوعات الخارجة.

 

وبحسب تقديرات «ستاندرد أند بورز»، بلغ عجز الحساب الجاري نحو 25.7% من الناتج المحلي في عام 2025، مع توقع انخفاضه إلى 17.7% في 2026، قبل أن يستقر عند مستويات مرتفعة خلال السنوات التالية، تبلغ 16.3% في 2027 و16.9% في 2028 و16.3% في 2029.

 

وتكتسب هذه الأرقام أهمية أكبر عند مقارنتها بحجم الإيرادات التي يحققها الاقتصاد من الخارج. فقد بلغ عجز الحساب الجاري في 2025 نحو 43.2% من إجمالي إيرادات الحساب الجاري، بحسب الوكالة، فيما تتوقع أن تبلغ النسبة 39.2% في 2026، وتبقى قريبة من 40% خلال السنوات اللاحقة.

 

وبمعنى مبسط، فإن كل 100 دولار يولدها لبنان من صادرات السلع والخدمات والدخل والتحويلات وغيرها من الإيرادات الجارية، تقابلها مدفوعات خارجية تتجاوز هذا الرقم بفارق كبير.

 

وتكشف هذه الفجوة عن مشكلة تتجاوز العجز السنوي، إذ تعكس استمرار بنية اقتصادية تعتمد على تدفقات خارجية لتمويل الفرق بين ما ينتجه الاقتصاد وما ينفقه.

 

فاتورة التمويل الخارجي

 

وتظهر الصورة بصورة أكثر وضوحاً في إجمالي حاجات التمويل الخارجي مقارنة بإيرادات الحساب الجاري والاحتياطات القابلة للاستخدام.

فقد بلغت هذه النسبة 298.1% خلال 2025، فيما تتوقع «ستاندرد أند بورز» أن تبلغ 276.2% في 2026 و274% في 2027، قبل أن تنخفض بصورة محدودة إلى 263.7% في 2029.

 

ولا تعني هذه النسب أن لبنان يحتاج إلى تمويل يعادل هذه النسبة من الناتج المحلي، وإنما تقيس حجم حاجات التمويل الخارجي مقارنة بالإيرادات الخارجية والاحتياطات التي تعتبرها الوكالة قابلة للاستخدام، بما يشمل مدفوعات الحساب الجاري والديون الخارجية قصيرة الأجل والاستحقاقات الخارجية الأخرى.

 

ويعني استمرار هذه النسبة عند مستويات تتجاوز 250% أن مشكلة التمويل الخارجي لم تختفِ مع مرور سنوات الأزمة، رغم تغير الظروف النقدية والمالية.

 

التجارة.. الفجوة الأكبر

 

ويظل الميزان التجاري أحد أبرز مصادر الاختلال.

فقد بلغ عجز تجارة السلع، وفق تقديرات الوكالة، نحو 44.4% من الناتج المحلي في 2025، مع توقع انخفاضه إلى 35.9% خلال 2026.

ورغم استمرار الانخفاض المتوقع، يبقى العجز مرتفعاً، إذ ترجح «ستاندرد أند بورز» وصوله إلى 32.5% من الناتج في 2027، و31.4% في 2028، و30.1% في 2029.

 

وبذلك، فإن الاقتصاد اللبناني، حتى بعد سنوات من الأزمة، لا يزال يعتمد بدرجة كبيرة على استيراد السلع، بينما لم تتمكن الصادرات من سد الفجوة المتراكمة.

 

وهنا تظهر المفارقة الأساسية: الأزمة قلّصت حجم الاقتصاد، لكنها لم تغيّر بصورة جذرية العلاقة بين الاستيراد والإنتاج المحلي.

 

الليرة لم تحسم مشكلة القدرة التنافسية

 

ولا يبدو سعر الصرف وحده قادراً على معالجة هذا الخلل.

 

وتشير الوكالة إلى أن سعر الصرف الفعلي الحقيقي ارتفع بنسبة 8.4% في عام 2025، بعد انخفاضات كبيرة خلال عامي 2023 و2024 بالتزامن مع إعادة تسعير الليرة.

وفي الوقت نفسه، بقي سعر الصرف الاسمي قريباً من 89,500 ليرة للدولار منذ شباط/فبراير 2024.

 

ويعني ارتفاع سعر الصرف الفعلي الحقيقي، بالتزامن مع ارتفاع الأسعار المحلية، أن جزءاً من القدرة التنافسية التي اكتسبها الاقتصاد بعد انهيار سعر الصرف بدأ يتراجع تدريجياً، مع ارتفاع كلفة السلع والخدمات اللبنانية مقارنة بالأسواق الخارجية.

 

اقتصاد أصغر قبل أن يتعافى

 

ولا تتوقع «ستاندرد أند بورز» تعافياً سريعاً في حجم الاقتصاد.

 

فالوكالة ترجح انكماش الناتج المحلي الحقيقي بنسبة تتراوح بين 8% و9% خلال 2026، على أن يتحول الاقتصاد إلى نمو يتراوح بين 2% و3% سنوياً خلال الفترة بين 2027 و2029، مدفوعاً بصورة أساسية بنشاط إعادة الإعمار، وبشرط انتهاء الحرب واسعة النطاق.

 

وهذا يعني أن أي تعافٍ مرتقب لن يبدأ من اقتصاد مستقر يعيد بناء قدرته الإنتاجية، بل من قاعدة اقتصادية أصغر بكثير مما كانت عليه قبل الأزمة.

 

النموذج نفسه.. لكن بكلفة أعلى

 

وتقود هذه المؤشرات إلى خلاصة أساسية: الأزمة اللبنانية لم تنتج حتى الآن تحولاً جذرياً في النموذج الاقتصادي، بل أدت إلى إضعاف الأدوات التي كانت تسمح باستمراره.

 

فلبنان لا يزال يعتمد بدرجة كبيرة على الاستهلاك والاستيراد والتدفقات القادمة من الخارج، لكن القطاع المصرفي لم يعد قادراً على أداء دوره السابق، والدين الخارجي لا يزال في حالة تعثر، بينما تقلص حجم الاقتصاد وتراجعت قدرته على خلق موارد جديدة.

 

وبالتالي، فإن التحدي الحقيقي أمام لبنان لا يتمثل فقط في استعادة النمو، وإنما في تغيير الطريقة التي يتحقق بها هذا النمو.

 

فإعادة الإعمار وحدها قد تعيد تحريك النشاط الاقتصادي، لكنها لن تكون كافية إذا لم تترافق مع زيادة الإنتاج المحلي والصادرات، وتحسين القدرة التنافسية، وإعادة بناء القطاع المالي، وخلق مصادر مستدامة للعملة الأجنبية.

 

ومن دون ذلك، قد يجد لبنان نفسه أمام نسخة جديدة من النموذج القديم: اقتصاد أصغر، اعتماد أكبر على الخارج، وعجز مستمر يحتاج إلى تمويل لا يبدو متاحاً بالسهولة التي كان عليها قبل الانهيار. 

 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 7 + 7

اقرأ أيضاً