أبو الظهور يشعل مثلث سوريا وتركيا وإسرائيل

سامر مارديني - دمشق - وكالة أنباء آسيا

2026.08.19 - 12:50
Facebook Share
طباعة

لم تعد غارة مطار أبو الظهور العسكري في ريف إدلب مجرد ضربة استهدفت منشأة عسكرية سورية، بعدما كشفت تداعياتها عن تداخل ثلاثة مسارات متصاعدة: الوجود التركي في سوريا، والعمليات العسكرية الإسرائيلية، ومحاولات واشنطن منع تحول التوتر إلى مواجهة أوسع.

 اقرأ أيضاً : توغل إسرائيلي جديد في جنوب سوريا وقصف على درعا

 

فالاستهداف الإسرائيلي الذي وقع فجر الثلاثاء، وأدى إلى أضرار مادية في مدرج المطار دون تسجيل إصابات بشرية، جاء في توقيت تعمل فيه أنقرة ودمشق على تعزيز التعاون العسكري وإعادة تأهيل عدد من المنشآت السورية، الأمر الذي دفع تل أبيب إلى ربط الضربة بمخاوفها من احتمال توسع الوجود التركي داخل الأراضي السورية.

 

لكن دمشق رفضت الرواية الإسرائيلية، مؤكدة عدم وجود قوات أجنبية داخل المطار، فيما دخلت واشنطن على خط الأزمة داعية إلى ضبط النفس والعمل على إنشاء آلية تمنع سوء التقدير بين الأطراف الثلاثة.


تل أبيب تضع الوجود التركي في دائرة الاستهداف

 

عقب الغارة، قال مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إن إسرائيل تعتبر انتشار قوات تركية محتملًا في قاعدة جوية قرب حلب خرقًا لما وصفه بـ"الوضع الأمني القائم" بين إسرائيل وسوريا.

 

وبحسب الرواية الإسرائيلية، فقد سبق أن حذرت تل أبيب دمشق من السماح بانتشار عسكري تركي في مواقع سورية، معتبرة أن مثل هذا الانتشار يمكن أن يشكل تهديدًا لأمنها.

 

غير أن هذا التفسير يفتح سؤالًا أوسع حول طبيعة القواعد التي تحاول إسرائيل تثبيتها في سوريا، خصوصًا في ظل تكرار الضربات داخل الأراضي السورية، بالتوازي مع الحديث عن تفاهمات أمنية جديدة بين دمشق وتل أبيب لم تفضِ حتى الآن إلى اتفاق نهائي.

 

أنقرة: تبريرات واهية وانتهاك للسيادة

 

تركيا رفضت الرواية الإسرائيلية، واعتبرت أن الغارات تستند إلى "مزاعم واهية"، ووصفتها بأنها انتهاك لسيادة سوريا ووحدة أراضيها.

 

واتهمت أنقرة حكومة نتنياهو باتباع سياسات توسعية ومزعزعة للاستقرار، مؤكدة في الوقت نفسه استمرار تعاونها مع الحكومة السورية في المجالات الأمنية والعسكرية.

 

وتحاول تركيا من خلال هذا الموقف تثبيت معادلة جديدة في سوريا تقوم على دعم مؤسسات الدولة السورية وتعزيز التعاون العسكري معها، في وقت تنظر فيه إسرائيل إلى أي توسع تركي عسكري باعتباره تطورًا يستحق المتابعة وربما المواجهة.

 

وهنا يبدو أن أبو الظهور لم يكن هدفًا عسكريًا فحسب، بل أصبح نقطة اختبار لحدود النفوذ التركي داخل سوريا.

 


دمشق تنفي وجود قوات أجنبية

من جانبها، نفت مصادر دبلوماسية سورية وجود قوات أجنبية داخل مطار أبو الظهور، معتبرة أن الحديث عن اتفاق يفرض "واقعًا أمنيًا" معينًا لا يعكس موقف دمشق.

 

وأكدت المصادر أن سوريا لا يمكن أن توافق على ترتيبات تعيق إعادة بناء مؤسساتها المدنية والعسكرية أو تحد من قدرتها على تثبيت الاستقرار على أراضيها.

 

ويأتي ذلك بينما تسعى دمشق إلى إعادة تنظيم منظومتها العسكرية والأمنية بعد سنوات من الحرب، وإعادة تشغيل منشآت عسكرية وخدمية تعرضت لأضرار واسعة خلال السنوات الماضية.

 


واشنطن تدخل على خط الأزمة

 

وفي محاولة لمنع توسع التوتر، قال المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا والعراق توم براك إن الولايات المتحدة تعمل على إنشاء آلية لتجنب الصدام بين سوريا وتركيا وإسرائيل.

 

وأوضح براك أن الغارة تعكس تصورًا إسرائيليًا، سواء كان دقيقًا أم خاطئًا، بأن تركيا قد تزيد وجودها العسكري في القاعدة خلال الفترة المقبلة.

 

وبحسب المسؤول الأمريكي، فإن هذا التطور يؤكد الحاجة إلى آلية لفض النزاعات وتبادل المعلومات بين الأطراف، بما يمنع الحوادث العسكرية من التحول إلى مواجهات أكبر.

 

وأشار إلى أن واشنطن تعمل على تسهيل الحوار بين الأطراف، معتبرًا أن الأولوية الحالية هي خفض التوتر وإتاحة المجال أمام مسار أكثر توازنًا.

 

لكن اللافت أن واشنطن، التي دعت دمشق إلى ضبط النفس، تبدو في الوقت نفسه أمام معادلة أكثر تعقيدًا: منع إسرائيل وتركيا من الاصطدام داخل الساحة السورية، من دون السماح بانهيار المسار الأمني الذي تحاول الولايات المتحدة رعايته بين دمشق وتل أبيب.


أربع غارات أم ثماني؟

 

ميدانيًا، استهدفت الطائرات الحربية الإسرائيلية مدرج مطار أبو الظهور العسكري في ريف إدلب الشرقي.

 

وتحدثت مصادر رصد محلية عن تنفيذ أربع غارات بواسطة طائرتين حربيتين، بينما نقلت وسائل إعلام سورية رسمية عن مصدر عسكري أن المطار تعرض لثماني غارات.

 

ولم تسجل إصابات بشرية، في حين اقتصرت الأضرار المعلنة على المنشآت والبنية التحتية للمطار.

 

وسبق الضربة تحليق مكثف لطائرات مسيرة إسرائيلية في أجواء المنطقة، امتد من محيط أبو الظهور باتجاه سراقب وبنش وتفتناز، قبل مغادرة الأجواء السورية بعد تنفيذ الهجوم.

 


أبو الظهور في قلب معادلة جديدة

 

تكمن أهمية مطار أبو الظهور في موقعه الجغرافي، إذ يقع على مسافة تقارب 50 كيلومترًا من مدينتي إدلب وحلب، ويعد من أبرز المنشآت العسكرية في المنطقة.

 

وكان المطار قد خرج عن الخدمة خلال سنوات الحرب نتيجة المعارك التي شهدتها المنطقة، قبل أن يعود اسمه إلى الواجهة مع الحديث عن إعادة تأهيل منشآت عسكرية سورية في إطار التعاون المتنامي بين دمشق وأنقرة.

 

ومن هنا، فإن الضربة الإسرائيلية تحمل أبعادًا تتجاوز حجم الأضرار المباشرة، لأنها جاءت في لحظة تعيد فيها سوريا ترتيب بنيتها العسكرية، فيما تحاول تركيا توسيع شراكتها مع دمشق، بينما تسعى إسرائيل إلى منع أي ترتيبات تعتبرها تهديدًا لمصالحها الأمنية.


إدانات عربية ودولية

 

الغارة أثارت سلسلة من الإدانات العربية والإقليمية، حيث اعتبرت الكويت والأردن والإمارات ومصر والسعودية وقطر أن استهداف المطار يمثل انتهاكًا للسيادة السورية وتصعيدًا يهدد استقرار المنطقة.

 

كما أدانت تركيا وباكستان الضربة، ودعتا المجتمع الدولي إلى اتخاذ موقف حاسم تجاه العمليات الإسرائيلية داخل الأراضي السورية.

 

ودعت الدول العربية إلى وقف الاعتداءات المتكررة واحترام سيادة سوريا ووحدة أراضيها، فيما حذرت قطر من أن غياب المساءلة والردع قد يشجع على مزيد من التصعيد.

 

كما انتقدت الجامعة العربية الغارة، معتبرة أنها تأتي ضمن سلسلة من الاعتداءات الإسرائيلية على سوريا والمنطقة، بينما أكدت رابطة العالم الإسلامي تضامنها مع دمشق ورفضها استهداف سيادتها ومقدراتها.


الخلاف أكبر من مطار

 

في المحصلة، يبدو أن أبو الظهور تحول إلى عنوان لصراع نفوذ يتجاوز حدود المطار نفسه.

 

فإسرائيل تريد إبقاء الوجود العسكري الإقليمي في سوريا ضمن حدود تراها مقبولة، وتركيا تسعى إلى تعزيز تعاونها مع دمشق، بينما تحاول الحكومة السورية استعادة السيطرة على مؤسساتها العسكرية والأمنية وإعادة بناء قدراتها.

 

أما الولايات المتحدة، فتجد نفسها أمام مهمة شديدة الحساسية: منع الاحتكاك الإسرائيلي-التركي من التحول إلى مواجهة مباشرة، مع الحفاظ على مسار التهدئة الذي تعمل عليه بين دمشق وتل أبيب.

 

وبذلك، فإن السؤال لم يعد فقط لماذا قصفت إسرائيل أبو الظهور؟، بل أصبح: إلى أين يمكن أن يصل صراع النفوذ إذا تحولت المنشآت السورية إلى نقاط احتكاك بين القوى الإقليمية؟ 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 10 + 7