يفتح اقتراح قانون الإعلام في لبنان نقاشًا يتجاوز تحديث مواد قانونية مضى عليها زمن طويل، ليصل إلى طبيعة العلاقة بين الدولة والصحافة في عصر المنصات الرقمية والذكاء الاصطناعي. فالنص يحمل ضمانات مهنية تتعلق بحرية العمل الصحافي وحماية المصادر وحق الرد، لكنه يثير في المقابل مخاوف بسبب استمرار عقوبة الحبس في بعض حالات النشر.
اقرأ أيضاً:لبنان: وزارة الشؤون تحدد موعد صرف مساعدات «أمان»
تغيّرت طريقة إنتاج الأخبار وتوزيعها بصورة كبيرة. فقد تبدأ المعلومة من هاتف مواطن، ثم تنتشر عبر شبكات التواصل، وتعيد مؤسسة إعلامية نشرها، قبل أن تحدد خوارزميات المنصات ومحركات البحث نطاق وصولها. ومع دخول الذكاء الاصطناعي في إنتاج النصوص والصور والصوت والتحقق والتوزيع، لم يعد تنظيم الإعلام ممكنًا بالاعتماد على مفاهيم صممت لعصر الصحيفة الورقية وحدها.
يطرح ذلك أمام المشرّع مهمة تحقيق توازن بين حرية التعبير والمسؤولية عن النشر، من دون أن تتحول مكافحة التضليل أو التحريض إلى مدخل لتقييد الصحافة.
توسيع مفهوم الإعلام
يوسّع الاقتراح تعريف الإعلام ليشمل النشاط الإعلامي ووسائل النشر والتوزيع والمؤسسات التي تعمل عبر الوسائط الإلكترونية، بدل حصر التنظيم في الصحافة المطبوعة والإذاعة والتلفزيون.
ويكرّس النص أهدافًا تتصل بحرية التعبير والتعددية الإعلامية وحق الجمهور في المعرفة، إلى جانب منع الاحتكار وتشجيع المنافسة.
ويمنح الصحافي ضمانات مهنية، من بينها حماية استقلاله التحريري، وعدم إلزامه بالتوقيع على مادة جرى تغيير مضمونها من دون علمه، وحقه في رفض المشاركة في عمل يتعارض مع ضميره المهني أو قواعد المهنة.
وتكتسب هذه الضمانات أهمية في ظل الضغوط التي قد تمارسها بعض المؤسسات على الصحافيين، سواء عبر فرض توجهات تحريرية أو التهديد بفقدان الوظيفة.
حماية المصادر
اقرأ أيضاً:«كهرباء لبنان» تنذر الإدارات العامة: 5 أيام قبل قطع التيار
يحمي الاقتراح سرية المصادر، فلا يسمح بكشفها لمجرد طلب جهة رسمية، بل يربط الأمر بقرار قضائي معلل وفي حالات استثنائية تتعلق بجرائم خطيرة أو خطر جسيم على الحياة.
وتحتاج الصحافة الاستقصائية إلى هذه الحماية بصورة خاصة، لأن المصدر لن يقدم معلومات حساسة إذا لم يثق في إمكانية الحفاظ على هويته.
وتتعامل تشريعات أوروبية مع سرية المصادر باعتبارها جزءًا من استقلال الصحافة، كما يتضمن الإطار الأوروبي لحرية الإعلام ضمانات لقدرة الصحافي على جمع المعلومات والتحقق منها وحماية مصادره.
حق الرد والتصحيح
ينظم الاقتراح حق الرد والتصحيح من خلال تحديد آليات تقديم الطلب والمهل المقررة والتزامات المؤسسة الإعلامية تجاهه.
ويتيح النص اللجوء إلى القضاء المستعجل عند رفض نشر التصحيح، بما يوفر وسيلة سريعة لمعالجة الضرر الناتج عن مادة إعلامية غير دقيقة.
ويعتمد هذا الاتجاه على معالجة الخطأ من خلال التصحيح والتعويض بدل اللجوء المباشر إلى العقوبة الجزائية، وهو ما رحبت به جهات حقوقية لبنانية اعتبرت المسؤولية المدنية وحق الرد بدائل أكثر تناسبًا مع نزاعات النشر.
لكن فاعلية هذه الضمانات تبقى مرتبطة بطريقة تطبيقها، إذ لا يكفي إدراجها في القانون إذا تعذر الوصول إليها عمليًا.
المادة 104.. نقطة الخلاف
تتركز أبرز الاعتراضات حول المادة 104، التي تتناول التحريض على الكراهية والتمييز ونشر الأخبار الكاذبة.
وتربط الفقرة الأولى تجريم التحريض بعناصر قريبة من اختبار خطة عمل الرباط، وتشمل السياق، ومكانة المتحدث، والقصد، ومضمون الخطاب وشكله، ومدى انتشاره، واحتمال إحداث ضرر فعلي.
وتسمح هذه المعايير بالتمييز بين التعبير المثير للجدل والخطاب الذي قد يؤدي إلى العنف أو التمييز أو الاعتداء.
لكن الفقرة الثانية تعاقب «اختلاق الأضاليل ونشر أخبار كاذبة ومؤذية» بالحبس، ما يفتح الباب أمام إشكالية تحديد المقصود بهذه الأوصاف.
وتحتاج عبارات مثل «كاذبة» و«مؤذية» و«مضللة» إلى تعريفات دقيقة، خصوصًا أن الصحافي قد ينشر معلومة اعتمادًا على مصدر يعتقد أنه موثوق، ثم تظهر لاحقًا معلومات تغير تقييمها.
وانتقدت مؤسسة «مهارات» هذا الجانب، معتبرة أن الصياغة تعيد تجريم النشر بعبارات فضفاضة وتضعف الاتجاه نحو المسؤولية المدنية.
عقوبة الحبس
تظهر المفارقة في الحديث السياسي عن عدم حبس الإعلاميين أو توقيفهم احتياطيًا، مقابل تضمين المادة 104 عقوبة تصل إلى ثلاث سنوات في بعض الحالات.
وقد يكون المقصود استثناء أفعال محددة من القاعدة العامة المتعلقة بعدم الحبس، لكن الصياغة تحتاج إلى وضوح يمنع التوسع في تفسيرها.
ويفترض مبدأ الشرعية الجنائية أن يكون الفعل المجرّم محددًا وقابلًا للتوقع، حتى يعرف الصحافي مسبقًا حدود المسؤولية التي يمكن أن تترتب على نشره.
وتؤكد المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان أن حرية التعبير تشمل الأفكار التي قد تصدم أو تزعج أو تقلق، وأن القيود عليها يجب أن تكون ضرورية ومتناسبة.
التضليل ومسؤولية الإعلام
لا ينفي رفض الحبس خطورة الأخبار الكاذبة، خصوصًا مع سرعة انتشار المحتوى الرقمي وقدرته على الوصول إلى جمهور واسع خلال دقائق.
ويمكن مواجهة التضليل عبر توسيع حق التصحيح، ورفع شفافية الملكية والتمويل والإعلانات السياسية، ودعم آليات التحقق المستقلة، ووضع معايير واضحة للممارسة المهنية.
كما يمكن تحديد صور الاحتيال الإعلامي التي تستوجب العقوبة وفق أركان واضحة، بدل إنشاء جريمة عامة للأخبار الكاذبة قد تشمل حالات متعددة ومختلفة.
التجارب المقارنة
تقدم التشريعات العربية نماذج مختلفة في التعامل مع جرائم النشر.
وينص قانون تنظيم الصحافة والإعلام في مصر على عدم توقيع عقوبة سالبة للحرية في جرائم النشر والعلانية، مع استثناءات محددة تتعلق بالتحريض على العنف أو التمييز والطعن في الأعراض، إلى جانب ضمانات إجرائية للصحافي والمؤسسة الإعلامية.
واعتمدت تونس بعد الثورة إطارًا قانونيًا يحدد مفهوم الصحافي وينظم وضعه المهني، مع لجنة مستقلة لإسناد بطاقة الصحافي، بما يحد من تدخل السلطة التنفيذية المباشر.
وتؤكد مدونة الصحافة والنشر في المغرب ضمان حرية الصحافة ومنع الرقابة المسبقة، إلى جانب حماية سرية المصادر ضمن شروط قضائية.
وتوضح هذه النماذج أن المسؤولية الإعلامية يمكن تنظيمها من خلال قواعد دقيقة ومتدرجة دون الاعتماد الواسع على العقوبات السالبة للحرية.
البيئة الأوروبية
تتجاوز المقاربة الأوروبية الحديثة تنظيم المحتوى إلى معالجة البيئة التي تعمل فيها وسائل الإعلام.
ويشمل القانون الأوروبي لحرية الإعلام استقلال القرار التحريري وشفافية الملكية وتركيز السوق والاستدامة الاقتصادية للمؤسسات والعلاقة مع المنصات الرقمية.
ويكتسب هذا الجانب أهمية في لبنان، لأن الضغوط التي تواجه الصحافي لا تأتي بالضرورة من السلطة السياسية، بل قد ترتبط بمالك المؤسسة أو ممولها أو تركّز السوق، فضلًا عن تحكم المنصات الرقمية في وصول المحتوى إلى الجمهور.
وتحتاج حماية الصحافة، لذلك، إلى قواعد تتناول الملكية والتمويل والاحتكار والاستقلال التحريري إلى جانب حرية النشر.
فجوة رقمية
تكشف البيئة الجديدة عن تحدٍ يتجاوز المادة 104، لأن الإعلام لم يعد محصورًا في المؤسسات والصحافيين ووسائل النشر التقليدية.
وتشارك في صناعة المعلومات اليوم منصات التواصل ومحركات البحث والخوارزميات وشركات التكنولوجيا وأدوات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب المستخدمين والمؤسسات الإعلامية.
وأشارت الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان في لبنان، في رأيها الصادر في 10 يوليو/تموز 2026، إلى أن الاقتراح لم يميز بصورة كافية بين حرية التعبير وحرية الصحافة، ولم يستوعب بما يكفي تأثير المنصات الرقمية والخوارزميات والذكاء الاصطناعي.
وطالبت الهيئة بحماية أوسع لاستقلال التحرير، وتعزيز شفافية الملكية والتمويل والإعلام العمومي.
ما يحتاجه القانون
يحمل الاقتراح عناصر إصلاحية مهمة، خصوصًا حماية المصادر واستقلال الصحافي وحق الرد والتصحيح وتوسيع مفهوم الإعلام.
لكن استمرار الحبس في بعض قضايا النشر يخلق تناقضًا مع الهدف المعلن لتحديث التشريع، ولا سيما إذا ارتبطت العقوبة بعبارات غير محددة بصورة كافية.
وتحتاج المنظومة الجديدة إلى قواعد تحمي الصحافة من التدخل السياسي والاحتكار والضغط المالي، وتضمن حق الجمهور في المعرفة، وتنظم الملكية والتمويل، وتأخذ في الاعتبار نفوذ المنصات والذكاء الاصطناعي.
كما ينبغي أن تكون العقوبات واضحة ومتدرجة ومتناسبة، مع توفير وسائل فعالة للرد والتصحيح والتعويض للمتضررين.
بين القانون والتطبيق
يبقى تطبيق النص عاملًا حاسمًا في نجاح أي إصلاح، إذ يمكن أن تتراجع قيمة الضمانات إذا كانت إجراءات التقاضي بطيئة أو استخدمت القواعد بصورة انتقائية.
ويحتاج الصحافي إلى معرفة واضحة بما يحميه القانون وما يمكن أن يعرضه للمساءلة، بينما يحتاج المتضرر إلى وسيلة سريعة وفعالة للحصول على التصحيح والتعويض.
فإذا حُميت سرية المصادر واستقلال الصحافي وحقه في رفض مادة تتعارض مع ضميره، ثم بقي معرضًا للحبس بسبب نشر «خبر كاذب أو مؤذٍ» دون تعريف دقيق، فإن الحماية تظل ناقصة.
ويفترض أن يقاس تحديث القانون بقدرته على مواكبة واقع تغيرت فيه أدوات إنتاج الأخبار وطرق توزيعها والجهات التي تتحكم في وصولها إلى الجمهور.
ويصبح الإصلاح أكثر اكتمالًا عندما يحمي الصحافة من السلطة والاحتكار والضغط المالي، ويضمن في الوقت نفسه حق المتضررين في التصحيح والمساءلة.
أما إبقاء عقوبة سالبة للحرية مرتبطة بعبارات فضفاضة، فيعيد العقوبة إلى المشهد من الباب الخلفي، حتى لو كان الهدف المعلن هو بناء قانون إعلام أكثر حداثة وحماية للحرية.