لم يخرج اجتماع المبعوث الأمريكي جاريد كوشنر مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي استمر عدة ساعات في القدس، باختراق واضح يفتح الطريق أمام تنفيذ المرحلة التالية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، بل أظهر استمرار الخلاف حول جوهر الخطة: من يبدأ أولاً، إسرائيل بالانسحاب أم حماس بنزع السلاح؟
اقرأ أيضاً:زلزال جديد يضرب إندونيسيا.. ماذا يحدث؟
وجاء اللقاء بعد يوم واحد فقط من اجتماع كوشنر مع قيادة حماس في القاهرة، في تحرك أمريكي بدا في بدايته محاولة لجمع طرفي المعادلة حول خريطة الطريق التي تدعمها واشنطن. لكن نتائج لقاء القدس أظهرت أن الشروط الإسرائيلية لا تزال تحتل موقعاً متقدماً في الحسابات الأمريكية، خصوصاً فيما يتعلق بنزع السلاح ومستقبل الانتشار العسكري داخل القطاع.
من القاهرة إلى القدس
في القاهرة، أبلغت حماس كوشنر استعدادها للتعامل مع خريطة الطريق، بما يشمل ترتيبات لنزع السلاح، لكنها ربطت التنفيذ بالتزام إسرائيل بوقف الهجمات والانسحاب من القطاع، إضافة إلى بدء المساعدات وإعادة الإعمار.
وكان هذا الترتيب يعني عملياً أن على الطرفين تنفيذ التزامات متبادلة، وليس مطالبة طرف واحد بتقديم التنازل الأساسي قبل حصوله على المقابل.
لكن الصورة تغيرت في القدس.
فبحسب المعطيات التي أعقبت اجتماع كوشنر ونتنياهو، تمسك رئيس الوزراء الإسرائيلي بأن يكون نزع سلاح حماس شرطاً سابقاً للانسحاب وإعادة الإعمار، وهو موقف سبق أن أعلنه ورفض على أساسه الصيغة الحالية لخطة خريطة الطريق.
الإعمار مقابل السلاح
أبرز ما خرج به الاجتماع كان التفاهم على عدم بدء إعادة إعمار غزة قبل استكمال نزع سلاح حماس، مع بحث آلية لتسليم الأسلحة وتدميرها تحت إشراف أمريكي.
كما تقرر تشكيل مجموعة عمل مخصصة لملف نزع السلاح ونزع الطابع العسكري عن القطاع، إلى جانب مجموعة أخرى تبحث ملفات المياه والصرف الصحي والصحة العامة.
وعلى الورق، تبدو هذه الترتيبات جزءاً من خطة لإنهاء الحرب وبناء إدارة جديدة في غزة. لكن ربط إعادة إعمار منطقة مدمرة إلى هذا الحد بإتمام عملية أمنية لم تُحسم آلياتها بعد يضع أحد أكثر الملفات إلحاحاً بالنسبة إلى السكان في انتظار نتيجة خلاف سياسي وعسكري مفتوح.
وهنا تظهر إحدى العقد الأساسية في الخطة: إعادة بناء غزة تحتاج إلى استقرار، بينما يجري تأجيل الاستقرار إلى حين حسم ملف السلاح.
اقرأ أيضاً:مرض الجرب يفاقم معاناة الأسيرات الفلسطينيات في الدامون
إسرائيل تحتفظ بحرية العمل
الخلاف لا يقتصر على إعادة الإعمار.
فالمعطيات الإسرائيلية أشارت إلى أن نتنياهو تمسك ببقاء قواته في مواقعها الحالية وعدم الانسحاب من الخط المحدد في اتفاق وقف إطلاق النار، مع استمرار ما تسميه إسرائيل "حرية العمل العسكري" داخل القطاع.
كما تحدثت تقارير عن استمرار استهداف من تصفهم إسرائيل بالمتورطين في هجوم السابع من أكتوبر، حتى خلال المرحلة التي يفترض أن تقود إلى تثبيت وقف إطلاق النار.
وبذلك تصبح المعادلة المطروحة أكثر تعقيداً: يُطلب من حماس التخلي عن قدراتها العسكرية، بينما تحتفظ إسرائيل بمواقع عسكرية داخل غزة وبالقدرة على تنفيذ عمليات متى اعتبرتها ضرورية.
وهذا يفسر جزئياً لماذا لم يظهر بعد اختراق حقيقي في المفاوضات، رغم الحديث الأمريكي عن ضرورة الانتقال إلى المرحلة التالية.
كوشنر أمام معادلة إسرائيلية
المفارقة أن كوشنر وصل إلى إسرائيل بعد لقاء مباشر مع قيادة حماس، وهو ما كان يمكن أن يشكل فرصة لنقل مطالب الطرفين إلى طاولة واحدة.
لكن النتائج المعلنة للاجتماع تشير إلى أن الضغط الأمريكي لم يتحول إلى ضغط متوازن على الجانبين بالدرجة نفسها؛ إذ بقيت الأولوية العملية منصبة على انتزاع تنازلات أمنية من حماس، بينما ظلت مسألة الانسحاب الإسرائيلي مرتبطة بشروط أمنية تضعها تل أبيب.
وتكشف هذه النقطة طبيعة الدور الأمريكي في المرحلة الحالية: واشنطن تريد إنقاذ خطتها ومنع انهيار وقف إطلاق النار، لكنها تفعل ذلك من خلال محاولة إقناع حماس بتقديم خطوات ملموسة بشأن السلاح، مع ترك مساحة واسعة للمطالب الإسرائيلية المتعلقة بالانتشار العسكري وحرية العمليات.
وهذا يجعل كوشنر، رغم تحركه بين القاهرة والقدس، أقرب في هذه المرحلة إلى ضمان الشروط الأمنية الإسرائيلية داخل الخطة الأمريكية منه إلى فرض تسوية متوازنة على الطرفين.
نتنياهو لا يقدم تنازلاً
في المقابل، لا تظهر مؤشرات على استعداد نتنياهو لتقديم تنازل جوهري بشأن الانسحاب.
وتزداد صعوبة ذلك مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية، إذ يواجه رئيس الوزراء ضغوطاً من داخل الائتلاف السياسي الذي يرفض أي صيغة تسمح بانسحاب واسع من غزة قبل إنهاء القدرات العسكرية لحماس.
وبالتالي، فإن قبول نتنياهو بخطة تتضمن انسحاباً إسرائيلياً تدريجياً يبدو مرتبطاً بتحويل نزع السلاح من بند تفاوضي إلى شرط مسبق.
وهذا ما يفسر أيضاً إصراره على عدم بدء الإعمار قبل إتمام العملية، في موقف يجعل مستقبل القطاع مرتبطاً بنتيجة مفاوضات أمنية طويلة ومعقدة.
هل تحركت الخطة أم أعيد ترتيبها؟
الإعلان عن مجموعتي العمل قد يعطي انطباعاً بأن المسار يتحرك، لكن الوقائع تشير إلى أن العقدة الرئيسية لم تُحل.
فحماس تريد وقف الهجمات والانسحاب الإسرائيلي قبل تنفيذ التزاماتها كاملة، بينما تريد إسرائيل نزع السلاح أولاً، مع الاحتفاظ بمواقعها وقدرتها على التدخل العسكري.
وبين الموقفين تتحرك واشنطن، لكن اجتماع كوشنر ونتنياهو لم ينتج حتى الآن صيغة تلزم إسرائيل بالانسحاب، في حين جرى تثبيت نزع السلاح كشرط أساسي لإعادة الإعمار.
لذلك، فإن السؤال لم يعد فقط هل ستنجح خطة غزة؟ بل أصبح: هل تستطيع واشنطن تحويل وقف إطلاق النار إلى تسوية، أم أن الخطة ستتحول إلى مسار طويل تُفرض فيه على غزة شروط أمنية قبل أن تحصل على أبسط متطلبات التعافي؟