أموال مدفونة وذهب بالمليارات.. الوجه الخفي لفساد العراق

2026.08.17 - 18:22
Facebook Share
طباعة

كشفت عمليات ملاحقة الفساد في العراق عن طرق غير مألوفة لإخفاء الأموال المتحصلة من قضايا مالية، بعدما عثرت الجهات المختصة على مبالغ نقدية داخل جدران ومنازل وتحت الأرض، إلى جانب أموال أخفيت داخل قناني مياه، فضلًا عن ضبط كميات من الذهب والعقارات والمركبات.

اقرأ أيضاً:ترامب يهدد بقصف عُمان بسبب خلافات مضيق هرمز

 

وتشير هذه الوقائع إلى أن مسار الأموال غير المشروعة لا ينتهي عند الحصول عليها، بل يستمر عبر محاولات إخفائها أو تحويلها إلى ممتلكات وأصول يصعب تتبع مصدرها، وسط تحقيقات تبحث في العقود والمشاريع والوسطاء والقرارات التي يُشتبه في أنها مكّنت من تحقيق تلك المكاسب.

 

عقود حكومية وعمولات

 

قال مسؤول في هيئة النزاهة العراقية، لوسائل إعلام محلية، إن جزءًا كبيرًا من الأموال المرتبطة بقضايا الفساد ينشأ من المبالغة في قيمة العقود والمشاريع الحكومية.

 

وأوضح أن بعض العقود تُمرر بقيم تتجاوز التكلفة الفعلية، ثم تتحول الفروقات إلى عمولات ومنافع مالية يستفيد منها مسؤولون أو أشخاص مرتبطون بهم.

 

وأشار إلى أن الرشاوى تأتي في مرتبة متقدمة ضمن مصادر الأموال محل التحقيق، وقد تكون على شكل مبالغ نقدية، أو نسب من قيمة المشاريع، أو منافع تُمنح مقابل تمرير عقد أو معاملة أو تسهيل إجراء حكومي.

 

وبيّن أن الفساد لا يأخذ دائمًا صورة استيلاء مباشر على أموال الخزينة، فقد يبدأ بقرار إداري أو إحالة مشروع، ثم ينتهي بتحقيق منفعة مالية غير مشروعة لأشخاص محددين.

اقرأ أيضاً:مرض الجرب يفاقم معاناة الأسيرات الفلسطينيات في الدامون

 

وأضاف أن الأموال المتحصلة لا تبقى بالضرورة نقدًا، إذ تتحول في حالات إلى ذهب وعقارات ومركبات، أو تُوزع على وسطاء وأشخاص آخرين، بينما يجري إخفاء جزء منها في أماكن يصعب اكتشافها.

 

قضية عدنان الجميلي

 

برزت قضية وكيل وزارة النفط لشؤون التصفية عدنان الجميلي ضمن الملفات التي كشفت عن حجم الأموال والممتلكات محل التحقيق، بعدما أعلن القضاء العراقي في مراحل مختلفة ضبط مبالغ كبيرة إلى جانب الذهب والعقارات والمركبات.

 

وفي إحدى عمليات الضبط، أعلنت الجهات القضائية العثور على أكثر من 67 مليار دينار ومليون دولار، بينها مبالغ اكتُشفت داخل منازل وأخرى مدفونة تحت الأرض.

 

وكشفت عمليات لاحقة عن أموال أخفيت داخل الجدران وقناني المياه، إضافة إلى كميات من الذهب والمصوغات.

 

لم تقتصر الإجراءات على الأموال السائلة، إذ أعلن مجلس القضاء الأعلى في يوليو/تموز استرداد كميات من الذهب مرتبطة بالتحقيقات، بالتزامن مع حجز عقارات ومركبات ومواصلة البحث في الممتلكات المرتبطة بأشخاص وردت أسماؤهم في القضية.

 

ولا يعني العثور على الأموال، بحسب المختصين، انتهاء التحقيق، إذ يتطلب الأمر تحديد مصدرها، والجهات التي استفادت منها، والقرارات أو العقود التي أدت إلى تحصيلها.

 

الفساد يبدأ قبل اختفاء الأموال

 

يرى مراقبون أن الفساد في العراق لم يعد يقتصر على حالات فردية، بل يرتبط في بعض الحالات بطريقة إدارة الموارد العامة والعقود والمناصب.
مواجهة الظاهرة تتطلب دراسة البيئة التي تسمح بحدوث التجاوزات، إلى جانب تتبع الأموال بعد خروجها من المؤسسات.

 

ويرى البعض أن المخالفات قد تبدأ من مرحلة تصميم المشروع، ثم تمتد إلى الإحالة والتنفيذ والاستلام، مع إمكانية توزيع المنافع بين أطراف عدة.

 

وأضافوا اكتشاف أموال داخل منزل شخص متهم لا يمثل بالضرورة نهاية المسار المالي، بل يستدعي البحث في مصدر المبلغ والجهات المستفيدة والعقود والقرارات التي ارتبطت به.

 

موازنة ضخمة ومساحة واسعة للعقود

 

تزامنت قضايا الفساد الكبرى مع ارتفاع حجم الإنفاق العام في العراق، خصوصًا بعد إقرار أول موازنة اتحادية لثلاث سنوات.

 

وأقر مجلس النواب في يونيو/حزيران 2023 قانون الموازنة العامة للسنوات المالية 2023 و2024 و2025، بإنفاق مخطط بلغ نحو 198.9 تريليون دينار للسنة الواحدة، أي قرابة 153 مليار دولار وفق سعر الصرف المعتمد آنذاك، مع اعتماد المبلغ نفسه للعامين التاليين ما لم تطرأ تعديلات.

 

وأوجد حجم الإنفاق مساحة واسعة للعقود والمشتريات والمشاريع الحكومية في قطاعات متعددة، ما يزيد أهمية الرقابة على مراحل التخطيط والإحالة والتنفيذ والاستلام.

 

وتبرز مخاطر خاصة في قطاعات النفط والكهرباء والمشاريع العامة، وهي مجالات أشار صندوق النقد الدولي إلى ارتفاع قابليتها لمخاطر الفساد في العراق، مع تسجيل ملاحظات بشأن المحاباة والاختلاس في بعض العقود الحكومية، خصوصًا في قطاع النفط.

 

مؤسسات الرقابة أمام اختبار تتبع الأموال

 

تتولى عدة جهات عراقية مسؤولية مراقبة المال العام والتحقيق في شبهات الفساد، من بينها هيئة النزاهة الاتحادية وديوان الرقابة المالية والجهات القضائية والرقابية داخل الوزارات.

 

أعلنت هيئة النزاهة الاتحادية في تقريرها السنوي لعام 2025 أنها تعاملت مع 37 ألفًا و175 إخبارًا، بينما بلغ عدد القضايا الجزائية 31 ألفًا و355 قضية.

 

كما أصدرت الهيئة 14 ألفًا و645 أمر استقدام، شملت وزراء ومن بدرجتهم وأصحاب درجات خاصة ومديرين عامين ومن بدرجتهم.

 

وتكشف عمليات ضبط الأموال والذهب والممتلكات عن جانب من المعركة مع الفساد، لكن استرداد الأموال لا يعتمد فقط على اكتشاف أماكن إخفائها، بل يتطلب تتبع مسارها من لحظة نشوء المنفعة غير المشروعة إلى الأطراف التي حصلت عليها والأصول التي تحولت إليها.

 

يظل التحدي الأكبر أمام المؤسسات العراقية هو الانتقال من ضبط الأموال بعد اختفائها إلى منع تسربها أصلًا، عبر تشديد الرقابة على العقود الحكومية، وتعزيز الشفافية، ومراجعة مراحل الإنفاق العام، وربط المسؤولية المالية بالقرارات التي أنتجت المنافع غير المشروعة.


 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 2 + 9