تستعد الحكومة السورية لاتخاذ خطوات جديدة لضبط الوضع الأمني والإداري في مدينة الحسكة خلال الأيام المقبلة، في إطار مساعٍ لإنهاء حالة تعدد الجهات المسؤولة عن إدارة المدينة وإعادة تشغيل المؤسسات الحكومية والخدمية، بحسب مصدر مطلع.
وقال المصدر إن الترتيبات الجارية تهدف إلى فرض سيطرة أمنية كاملة للحكومة على المدينة، بما يسمح بإعادة تفعيل المؤسسات العامة والمدارس وتنظيم عمل الأجهزة الإدارية والأمنية، وذلك في وقت تستعد فيه المحافظة للعام الدراسي الجديد وتبحث آليات إعادة السكان إلى مناطقهم الأصلية.
ويأتي التحرك بعد موجة من التوتر شهدتها محافظة الحسكة على خلفية أول عملية لإعادة نازحين من الحسكة إلى مدينة رأس العين، قبل أن تمتد الاحتجاجات والاضطرابات إلى عدد من المدن والبلدات في المحافظة.
اقرأ أيضا: من أمن الحسكة إلى التعليم.. ماذا تفاوض دمشق و”قسد”؟
ضبط الأمن وإعادة المؤسسات
وبحسب المصدر، فإن الهدف الأساسي من الإجراءات المرتقبة هو منع تكرار الأحداث الأمنية التي رافقت عملية عودة نازحي رأس العين، وإيجاد مرجعية واضحة لإدارة المدينة ومؤسساتها.
وتواجه الحسكة منذ فترة حالة من تداخل الصلاحيات بين جهات مختلفة، انعكست على المؤسسات المدنية والخدمية والأمنية، وأدت إلى تفاوت في مستوى عملها من منطقة إلى أخرى.
وترى الحكومة أن إعادة تشغيل المدارس والمؤسسات العامة تحتاج إلى بيئة أمنية مستقرة، خصوصاً مع اقتراب بداية العام الدراسي، إلى جانب أن تنظيم عودة النازحين يتطلب ضمانات أمنية وإدارية تمنع وقوع احتكاكات جديدة.
ولا ينحصر ملف العودة بالجانب الأمني، إذ يرتبط أيضاً بملفات الملكية والإشغال والخدمات، وهي قضايا قد تشكل تحدياً أمام أي عملية واسعة لإعادة السكان إلى مناطقهم.
توترات أعقبت عودة نازحي رأس العين
وتصاعد التوتر في الحسكة في العاشر من آب، بالتزامن مع عودة مئات العائلات إلى رأس العين، قبل أن تنتقل الاحتجاجات إلى مناطق أخرى في المحافظة.
وشهدت الحسكة والقامشلي وعامودا والدرباسية وتل تمر ومعبدة تحركات وقطعاً لطرق رئيسة، فيما تعرضت بعض المقار الأمنية والممتلكات العامة والخاصة لأضرار، بحسب المعلومات المتداولة عن تلك الأحداث.
كما شهدت بعض المناطق مظاهر احتجاج مرتبطة بالرموز والإدارة المحلية، في وقت عززت فيه القوى الأمنية انتشارها في عدد من المواقع بهدف احتواء التوتر.
وفي القامشلي، أغلقت طريق مطار المدينة باستخدام سواتر ترابية، بينما شهد الطريق الدولي في منطقة تل تمر قطعاً مؤقتاً، بالتزامن مع استمرار حالة التوتر في عدد من مدن المحافظة.
وانتقلت الاضطرابات لاحقاً إلى مدينة عين العرب بريف حلب الشرقي، حيث تعرضت مقار حكومية وأمنية للاقتحام، قبل أن تعلن السلطات الأمنية استعادة الهدوء وانتشار قواتها في المدينة.
وأعلنت قيادة الأمن الداخلي في حلب حينها إصابة عدد من عناصرها خلال التعامل مع الأحداث، إلى جانب توقيف أشخاص قالت إنهم شاركوا في الاعتداء على المقار الحكومية.
الازدواجية الإدارية تعود إلى الواجهة
وتعيد هذه التطورات ملف الإدارة في الحسكة إلى الواجهة، في ظل استمرار التباين بين الحكومة السورية و"قوات سوريا الديمقراطية" بشأن توزيع الصلاحيات الأمنية والمدنية.
وكان الطرفان قد توصلا في كانون الثاني الماضي إلى تفاهمات بشأن دمج المؤسسات العسكرية والأمنية والخدمية ضمن مؤسسات الدولة، على أن يجري تنفيذ العملية بصورة تدريجية.
لكن التطبيق على الأرض لم يؤد حتى الآن إلى إنهاء جميع مظاهر الانقسام، إذ لا تزال جهات مختلفة تدير قطاعات ومرافق في مناطق متباينة من المحافظة.
وتتركز سيطرة الحكومة في مساحات واسعة من الأرياف الجنوبية والشرقية وأجزاء من الريف الغربي، بينما تواصل "قسد" حضورها في عدد من المراكز الحضرية، بينها الحسكة والقامشلي والمالكية والدرباسية وعامودا.
هذا التوزيع انعكس على طبيعة عمل المؤسسات، حيث بقيت بعض الخدمات والمؤسسات المدنية خارج العمل أو تعمل بصورة جزئية، بينما ظلت المسؤوليات الأمنية موزعة بين أكثر من جهة.
الأمن وحده لا يكفي
ويقول ناشطون ومختصون في الشأن المحلي إن أي تغيير في الوضع الأمني داخل الحسكة يحتاج إلى إجراءات إدارية وخدمية موازية، لأن إنهاء الازدواجية لا يرتبط فقط بانتشار القوى الأمنية، بل بتحديد الجهة المسؤولة عن المؤسسات والخدمات بصورة واضحة.
كما أن استقرار المدينة يمثل عاملاً أساسياً لإنجاح عمليات عودة السكان، لكن العودة تحتاج في الوقت نفسه إلى معالجة قضايا تتعلق بالمنازل والأراضي والملكية والإشغال، إلى جانب توفير ضمانات بعدم تعرض السكان لضغوط أو اعتداءات.
وتبرز هذه الملفات بصورة خاصة في المناطق التي شهدت تحولات سكانية خلال سنوات الحرب، ما يجعل أي عملية إعادة للسكان بحاجة إلى آلية قانونية وإدارية واضحة لتجنب نشوء نزاعات جديدة.
مرحلة اختبار للحكومة
وتضع الترتيبات المرتقبة في الحسكة الحكومة السورية أمام اختبار مزدوج: فرض مرجعية أمنية وإدارية واضحة، والحفاظ في الوقت نفسه على الاستقرار ومنع تحول عملية إعادة تنظيم مؤسسات الدولة إلى مصدر جديد للتوتر المحلي.
وفي حال جرى تنفيذ الخطوات بصورة تدريجية ومنظمة، فقد تفتح الطريق أمام إعادة تشغيل المؤسسات والمدارس وتحسين الخدمات، وتوفير ظروف أكثر ملاءمة لعودة السكان.
أما إذا بقيت الصلاحيات موزعة أو اقتصرت الإجراءات على الجانب الأمني، فإن معالجة جذور المشكلة ستظل محدودة، خصوصاً أن التوترات الأخيرة أظهرت حساسية ملف العودة وتداخلها مع قضايا الإدارة والهوية والملكية.
وبذلك تبدو الحسكة مقبلة على مرحلة جديدة من إعادة ترتيب المشهد الأمني والإداري، في وقت تتجه فيه الحكومة إلى تثبيت حضور مؤسسات الدولة، بينما يبقى نجاح هذه العملية مرتبطاً بقدرتها على تحويل التفاهمات السياسية السابقة إلى ترتيبات عملية على الأرض.