دخلت حركة الملاحة في مضيق هرمز مرحلة جديدة من التوتر بعد تعرض ثلاث سفن تعمل لصالح شركة بترول أبوظبي الوطنية «أدنوك» لهجمات خلال يومين، بالتزامن مع تراجع كبير في حركة السفن عبر أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط والغاز في العالم.
وقالت «أدنوك» إن ثلاثاً من سفنها تعرضت لهجمات مساء الخميس والجمعة، 13 و14 آب/أغسطس، من دون تسجيل إصابات بين أفراد الطواقم. وحمّلت الإمارات إيران مسؤولية الهجمات، بينما صدرت إدانات خليجية حذرت من تداعيات استهداف السفن على أمن الملاحة وإمدادات الطاقة.
لكن تفاصيل الحوادث لا تزال غير مكتملة، خصوصاً فيما يتعلق بالجهة التي نفذت الهجمات وطبيعة الأسلحة المستخدمة والسفينة الثالثة التي لم تكشف الشركة عن هويتها.
اقرأ أيضا:
طهران تحذر واشنطن: هرمز إيراني وسيبقى كذلك
طهران تجمد التفاوض وتربط فتح هرمز بشروطها
سفينتان أمكن تحديد هويتهما
رغم أن «أدنوك» لم تعلن أسماء السفن المستهدفة، تمكنت مصادر متخصصة في الأمن البحري والشحن من تحديد ناقلتين هما «نافيغ8 ميسي» التي ترفع علم سنغافورة، و«طريف» التي ترفع علم ليبيريا.
ويتوافق الاسمان مع بيانات أسطول «أدنوك للإمداد والخدمات» المحدثة مطلع عام 2026، ما يدعم مطابقة السفينتين مع الحوادث التي أعلنت عنها الشركة.
وتشير البيانات المتاحة إلى أن الناقلتين كانتا تنقلان منتجات نفطية بين موانئ الإمارات وسلطنة عُمان، ما يضعهما ضمن حركة الملاحة المرتبطة مباشرة بسلاسل إمدادات الطاقة الخليجية.
ولم تسفر الهجمات، بحسب المعلومات المتاحة، عن سقوط قتلى أو إصابات بين أفراد الطواقم، فيما واصلت الناقلات الإبحار بعد تعرضها للأضرار.
توقيت متقارب وثغرات في بيانات الملاحة
سجلت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية بلاغين متقاربين زمنياً بشأن حادثتين وقعتا أثناء عبور ناقلتين باتجاه خارج الخليج، عند نحو الساعة 19:52 بالتوقيت المحلي مساء 13 آب/أغسطس.
ولا يعني تطابق توقيت البلاغين أن الهجومين وقعا في الدقيقة نفسها، إذ يشير التوقيت إلى تسجيل البلاغ لدى الهيئة البحرية، وليس بالضرورة إلى لحظة وقوع الإصابة.
وتزداد صعوبة إعادة بناء مسار الحادث بسبب توقف أجهزة نظام التعريف الآلي «أيس» على السفن أثناء الهجوم. ويُستخدم هذا النظام لتحديد موقع السفينة وسرعتها واتجاهها، لكن إيقافه لأسباب أمنية يعني أن بيانات التتبع العامة لا تقدم صورة كاملة عن حركة السفينة في المنطقة.
وتظهر هذه الفجوة بوضوح في حالة «نافيغ8 ميسي»، التي اختفت إشارتها العامة من بعض منصات التتبع منذ أواخر تموز/يوليو، رغم استمرار نشاطها التجاري وفق بيانات أخرى.
«نافيغ8 ميسي».. نشاط مستمر رغم اختفاء الإشارة
كانت الناقلة قد وصلت إلى منطقة الانتظار قبالة الفجيرة في تموز/يوليو، بعد رحلة بدأت من كوريا الجنوبية، قبل أن تتوقف إشاراتها الظاهرة على بعض منصات التتبع.
لكن بيانات تجارية متخصصة تشير إلى استمرارها في نقل المنتجات النفطية. فقد حملت نحو 511 ألف برميل من الديزل منخفض الكبريت في الرويس في 24 تموز/يوليو، قبل أن تسجل عملية تفريغ في ميناء صحار العُماني في 9 آب/أغسطس.
وتحمل السفينة رقم التعريف البحري الدولي 9482859، وتبلغ حمولتها الساكنة نحو 75.6 ألف طن. كما ترتبط بأسطول «أدنوك للإمداد والخدمات»، التي استحوذت في 2025 على حصة كبيرة من مجموعة «نافيغ8».
وتوضح هذه البيانات أن غياب الإشارة العامة للسفينة لا يعني بالضرورة توقفها عن العمل، وهي نقطة مهمة عند محاولة تحديد مسارات السفن التي تعبر مناطق عالية الخطورة.
«طريف» تعود إلى صحار
أما الناقلة «طريف»، فتحمل رقم التعريف البحري الدولي 9828390 وترفع علم ليبيريا.
وتظهر بيانات الشحن أنها حملت نحو 726 ألف برميل من المقطرات الوسطى في مصفاة الرويس نهاية تموز/يوليو، قبل تفريغ الشحنة في صحار في 6 آب/أغسطس.
كما تظهر بيانات الملاحة أن السفينة غادرت منطقة الانتظار في صحار فجر 9 آب/أغسطس، ثم عادت إليها في 15 آب/أغسطس بعد رحلة امتدت لنحو 1753 ميلاً بحرياً.
وتتقاطع هذه الرحلة زمنياً مع حادثة الاستهداف المعلنة، لكن توقف نظام التعريف الآلي أثناء الحادث يحول دون تحديد النقطة التي تعرضت فيها السفينة للإصابة بصورة مستقلة من خلال بيانات التتبع المتاحة.
ماذا عن السفينة الثالثة؟
في مساء 14 آب/أغسطس، أعلنت «أدنوك» تعرض سفينة ثالثة تعمل لصالحها لهجوم أثناء عبورها مضيق هرمز.
ولم تكشف الشركة حتى إعداد هذا التقرير اسم السفينة أو رقمها البحري أو نوعها، ما يجعل مطابقة الحادث مع بيانات الملاحة المتاحة أكثر صعوبة.
وفي الفترة نفسها، أبلغت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية عن حادث منفصل تمثل بإصابة سفينة بضائع سائبة بمقذوف مجهول أثناء وجودها في مضيق هرمز، من دون إصابات بين أفراد طاقمها.
ولا توجد، وفق المعلومات المتاحة، معطيات كافية للجزم بأن الحادثين مرتبطان ببعضهما.
هرمز أمام أزمة ملاحة متفاقمة
لا يمكن فصل الهجمات الأخيرة عن التراجع الحاد في حركة الملاحة داخل المضيق منذ بدء الحرب. وتشير بيانات نقلتها رويترز عن شركة «كبلر» إلى أن عدد السفن التي ظهرت وهي تعبر المضيق انخفض إلى مستويات شديدة التدني، في حين كانت الحركة قبل الحرب تتجاوز 130 سفينة يومياً.
ويجب التعامل مع هذه الأرقام بحذر، لأن إيقاف أجهزة التعريف الآلي يعني أن بعض السفن قد تعبر فعلياً من دون ظهورها في بيانات الرصد العامة.
وتحاول شركات الطاقة في المقابل تقليل المخاطر عبر تعديل مسارات النقل واستخدام ترتيبات شحن أكثر مرونة، لكن الخيارات البديلة تبقى محدودة نظراً للدور الذي يؤديه مضيق هرمز في نقل صادرات الطاقة من الخليج.
وكانت «أدنوك» قد أعلنت في وقت سابق تعرض عدد كبير من السفن التابعة لها أو العاملة لصالحها لهجمات منذ بداية الأعمال القتالية، بينها ناقلتا النفط العملاقتان «الباهية» و«مومباسا بي» في تموز/يوليو، في حادث أسفر عن مقتل أحد أفراد الطاقم وإصابة آخرين.
الاتهام الإماراتي والموقف الإيراني
سياسياً، حمّلت الإمارات إيران مسؤولية الهجمات الأخيرة، بينما أدانت السعودية وقطر والكويت والبحرين الاستهدافات، محذرة من انعكاساتها على حرية الملاحة وأمن إمدادات الطاقة.
في المقابل، لم تتضمن المعطيات المتاحة تفاصيل مستقلة تحسم هوية الجهة المنفذة للهجمات، فيما ربط مسؤولون إيرانيون مستقبل حركة الملاحة في المضيق بالترتيبات السياسية والأمنية المرتبطة بالحرب والمفاوضات.
وقال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إن الولايات المتحدة مطالبة بالاستجابة لشروط مرتبطة بالمضيق قبل استئناف حركة الشحن، بينما أكد نائب وزير الخارجية كاظم غريب آبادي أن إدارة فتح المضيق وإغلاقه ستكون بيد إيران.
وتضع هذه التصريحات أزمة الملاحة أمام مسارين متداخلين: الأول أمني يتعلق بحماية السفن وحرية العبور، والثاني سياسي يرتبط باستخدام المضيق كورقة ضغط في الصراع الإقليمي.
وفي الحالتين، فإن استهداف ثلاث سفن خلال فترة قصيرة، إلى جانب الانخفاض الحاد في حركة الملاحة، يشير إلى أن المخاطر لم تعد مقتصرة على احتمال تعرض ناقلة منفردة لهجوم، بل باتت تمس قدرة شركات الشحن والطاقة على التعامل مع أحد أهم الممرات التجارية العالمية بصورة منتظمة.