من السيطرة إلى الكمائن.. كيف يتحرك “داعش” في دير الزور؟

وكالة أنباء آسيا

2026.08.13 - 13:24
Facebook Share
طباعة

رغم فقدان تنظيم “الدولة الإسلامية” معظم المناطق التي كان يسيطر عليها في سوريا، لا تزال خلاياه قادرة على تنفيذ هجمات متفرقة، خصوصًا في المناطق الصحراوية والريفية بمحافظة دير الزور، مستفيدة من اتساع البادية وصعوبة ضبطها أمنيًا.
ومنذ مطلع عام 2026، وثقت 35 هجومًا للتنظيم في دير الزور، أسفرت عن مقتل 17 شخصًا، بينهم 10 من العسكريين، وعنصران من التنظيم، وخمسة مدنيين، بينهم طفل، إضافة إلى إصابة عشرة أشخاص، بينهم ثمانية عسكريين ومدنيان.
وتشير هذه الحصيلة إلى أن نشاط التنظيم لم يعد مرتبطًا بالسيطرة على المدن أو إقامة نقاط انتشار ثابتة، بل يعتمد بصورة أكبر على خلايا صغيرة تتحرك في مناطق متباعدة، وتنفذ هجمات محدودة تستهدف القوات الأمنية والعسكرية، إلى جانب وقوع ضحايا مدنيين نتيجة هذه العمليات.

اقرأ أيضاً: من دير الزور إلى حلب.. حملة أمنية تستهدف خلايا داعش


البادية مساحة للحركة
تمثل طبيعة دير الزور الجغرافية عاملًا مهمًا في استمرار نشاط خلايا التنظيم، إذ تمتد المحافظة على مساحة واسعة تضم مناطق ريفية وصحراوية متصلة بالبادية السورية، وصولًا إلى الحدود العراقية.
وتوفر هذه الجغرافيا مساحات واسعة يمكن للخلايا المسلحة استخدامها للتحرك والاختباء، خصوصًا في المناطق التي يصعب فيها الانتشار الأمني الدائم.
ومع تراجع قدرته على الاحتفاظ بالأرض، اتجه التنظيم إلى نمط مختلف من العمليات يعتمد على الكمائن والهجمات المباغتة واستهداف الحواجز والنقاط العسكرية، إضافة إلى عمليات الاغتيال والهجمات المحدودة التي لا تتطلب وجودًا ميدانيًا طويلًا.
وتُظهر الحصيلة المسجلة خلال العام تفاوتًا واضحًا في وتيرة الهجمات بين شهر وآخر، ما يعكس طبيعة النشاط القائم على الخلايا أكثر من كونه حملة عسكرية متواصلة.


آذار يسجل أعلى حصيلة
سجل شهر آذار أعلى عدد من الهجمات، بواقع 11 عملية، أسفرت عن مقتل ثلاثة أشخاص، بينهم عنصران من قوى الأمن الداخلي ومدني، فيما أصيب عنصر من وزارة الدفاع.
وفي شباط، وثقت 9 عمليات أدت إلى مقتل خمسة أشخاص، بينهم ثلاثة عسكريين وعنصر من التنظيم ومدني، إضافة إلى إصابة عسكري.
وانخفضت وتيرة الهجمات خلال نيسان إلى ثلاث عمليات، لكنها أسفرت عن مقتل عنصر من وزارة الدفاع وإصابة عنصر آخر ومدني.
وفي أيار، سجلت خمس عمليات أدت إلى مقتل شخصين، أحدهما ضابط في وزارة الدفاع والآخر مسؤول الأمن الدبلوماسي في الحكومة الانتقالية راتب الهاشم العطيوي، إلى جانب إصابة عنصر آخر.
أما تموز، فشهد ست عمليات أسفرت عن مقتل ثلاثة أشخاص، بينهم مدنيان وعنصر من التنظيم، إضافة إلى إصابة ثلاثة عناصر وطفل.
وخلال آب، سُجلت عملية واحدة أدت إلى مقتل عنصرين وإصابة عسكري، فيما توفي طفل متأثرًا بإصابته في إحدى هجمات الشهر السابق، لترتفع حصيلة قتلى الشهر إلى ثلاثة.

اقرأ أيضاً: تفكيك خلية لتنظيم الدولة بعد اشتباكات شرقي سوريا


عسكريون في مقدمة المستهدفين
تظهر بيانات الضحايا أن القوات العسكرية والأمنية كانت الهدف الرئيسي لمعظم الهجمات، إذ بلغ عدد القتلى العسكريين عشرة أشخاص، مقابل خمسة مدنيين وعنصرين من التنظيم.
ولا تعني هذه الأرقام أن المدنيين خارج دائرة الخطر، إذ أدى عدد من الهجمات إلى إصابات أو وفيات بين السكان، في وقت تتحرك فيه الخلايا المسلحة ضمن مناطق مأهولة أو قريبة من طرق وحواجز ونقاط عسكرية.
ويزيد اعتماد التنظيم على الهجمات المباغتة من صعوبة توقع مكان العملية وتوقيتها، خصوصًا في المناطق المفتوحة التي تسمح للخلايا بالتحرك بعيدًا عن المراكز السكانية الرئيسية.


تراجع السيطرة لا يعني انتهاء التهديد
يعكس استمرار الهجمات في دير الزور تحولًا في طبيعة وجود التنظيم أكثر من كونه عودة إلى مرحلة السيطرة الجغرافية التي شهدتها سوريا خلال السنوات السابقة.
فالتنظيم لم يعد يمتلك القدرة ذاتها على إدارة مدن أو مناطق واسعة، لكنه يحتفظ بقدرة على شن عمليات محدودة من خلال مجموعات صغيرة، مستفيدًا من التضاريس والحدود المفتوحة والمساحات الصحراوية.
وتفرض هذه المعطيات تحديًا أمنيًا مختلفًا على السلطات السورية، إذ لا يرتبط التعامل مع الخلايا بعملية عسكرية واحدة يمكن أن تنهي وجودها، وإنما يتطلب مراقبة مستمرة للمناطق الصحراوية والريفية وملاحقة شبكات الحركة والإمداد.
كما أن استمرار الهجمات، حتى بوتيرة متقطعة، قد يفرض أعباء إضافية على القوات المنتشرة في دير الزور والبادية، ويؤثر في حركة المدنيين والنشاط الاقتصادي في المناطق الأكثر عرضة للهجمات.


معركة أمنية تتجاوز الملاحقة العسكرية
لا يقتصر خطر التنظيم على الخسائر المباشرة الناتجة عن الهجمات، إذ يمكن لاستمرار نشاط الخلايا أن يفاقم حالة عدم الاستقرار في مناطق لا تزال تعاني أصلًا من هشاشة أمنية وخدمية.
ويجعل ذلك مواجهة التنظيم مرتبطة إلى جانب الإجراءات الأمنية بتحسين قدرة المؤسسات المحلية على ضبط المناطق النائية، وتعزيز حماية السكان، وقطع قنوات التمويل والإمداد، إلى جانب معالجة الظروف التي تسمح بإعادة تجنيد عناصر جديدة.
وبذلك، تبدو دير الزور أمام نمط مختلف من تهديد “داعش”: تنظيم فقد السيطرة على الأرض، لكنه لم يفقد القدرة على استغلال المساحات غير المضبوطة لتنفيذ هجمات محدودة ومتفرقة.
وتشير حصيلة الأشهر الماضية إلى أن تراجع التنظيم جغرافيًا لم يؤدِ إلى اختفائه أمنيًا، فيما يبقى حجم قدرته على الاستمرار مرتبطًا بمدى قدرة السلطات على ضبط البادية والمناطق الريفية وملاحقة الخلايا قبل تحول نشاطها المتقطع إلى موجة هجمات أكثر اتساعًا. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 2 + 7

اقرأ أيضاً