أضرار تتخطى المنازل
كشف تحقيق لـ صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية استند إلى تحليل صور الأقمار الصناعية وبيانات متاحة ومقاطع مصورة جرى التحقق منها، عن أضرار واسعة لحقت بجنوب لبنان جراء الغارات الإسرائيلية، شملت المنازل والبنية التحتية والأراضي الزراعية والغابات والمنشآت الصحية، إضافة إلى مواقع تاريخية وتراثية.
وأظهر التحقيق أن جزءاً كبيراً من الدمار وقع بعد إخلاء عدد من القرى وسيطرة القوات الإسرائيلية عليها، ما أدى إلى تضرر مرافق أساسية للحياة المدنية، بينها شبكات المياه والطاقة والمنشآت الصحية.
اقرأ أيضاً: صور جوية ترصد آثار الهدم والتجريف في مجدل زون
تدمير واسع
ونقل التحقيق عن نائبة مديرة منظمة العفو الدولية كريستين بيكرلي أن ما جرى يمثل «هجوماً واسع النطاق وطويل الأمد ومنظماً» على سكان جنوب لبنان.
وأضافت أن تدمير البنية التحتية الحيوية والمرافق الصحية، إلى جانب الأضرار التي لحقت بالأراضي الزراعية، يجعل مناطق واسعة أكثر صعوبة أمام عودة السكان واستئناف حياتهم الطبيعية.
وأشار التحقيق إلى استخدام وسائل متعددة في عمليات التدمير، بينها الغارات الجوية والتفجيرات وأعمال التجريف، فضلاً عن استخدام الفوسفور الأبيض، مع توثيق أضرار في مناطق عدة، من بينها الخيام والطيبة وبنت جبيل وحداثا.
اقرأ أيضاً: بالصور.. مشاهد صادمة للدمار في بنت جبيل وعيناثا
التراث في مرمى الدمار
ولم تتوقف الأضرار عند المنشآت الحديثة، بل امتدت إلى مواقع ذات قيمة تاريخية وتراثية، بينها مساجد يعود بعضها إلى القرن السادس عشر، ومكتبات من القرن التاسع عشر، ومزارات دينية وآثار رومانية وقلاع تاريخية.
وحذرت جوان بجالي ،من منظمة "بلادي" للحفاظ على التراث، من أن حجم الأضرار يهدد الصلة بين السكان وأرضهم والتاريخ المحلي لمناطقهم.
آلاف الكيلومترات من شبكات المياه
وفي قطاع البنية التحتية، أظهر التحقيق تضرر ما لا يقل عن 2500 كيلومتر من شبكات المياه، بما في ذلك أنابيب وآبار وألواح شمسية تستخدم في تشغيل أنظمة المياه.
كما لحقت أضرار بجسور فوق نهر الليطاني، ما يزيد من صعوبة استعادة الخدمات الأساسية وربط المناطق المتضررة.
اقرأ أيضاً: غارة إسرائيلية تضرب شريان للري في جنوب لبنان
خسائر زراعية وبيئية
وأظهر التحليل تضرر أكثر من 20% من الأراضي الزراعية والغابات في جنوب لبنان، بما في ذلك مساحات واسعة من بساتين الزيتون.
ويعني حجم الأضرار الحاجة إلى إعادة زراعة أعداد كبيرة من الأشجار وإعادة تأهيل الأراضي المتضررة، في وقت يواجه فيه القطاع الزراعي تحديات إضافية مرتبطة بتداعيات الحرب.
كما أشار التحقيق إلى بيانات لوزارة البيئة اللبنانية توثق استخدام الفوسفور الأبيض ورش مبيدات أعشاب على أكثر من 2000 هكتار من الأراضي الحدودية خلال السنوات الثلاث الماضية، وما نجم عن ذلك من أضرار بيئية وزراعية.
القطاع الصحي يتلقى ضربة قاسية
وفي القطاع الصحي، وثق التحقيق تدمير أو تضرر عشرات المرافق الصحية، بينما تشير بيانات وزارة الصحة اللبنانية إلى مقتل 135 من العاملين في القطاع الصحي أثناء تأدية مهامهم.
وتزيد هذه الخسائر من الضغوط على المنظومة الصحية في مناطق تعاني أصلاً من تداعيات الحرب وتراجع القدرة على تقديم الخدمات للسكان.
استهداف متكرر
وأظهرت بيانات منظمة متخصصة في تحليل المخاطر الأمنية توثيق أكثر من 30 حادثة تعرضت خلالها مواقع للاستهداف أكثر من مرة، بفواصل زمنية مختلفة.
وتم التحقق من مقاطع مصورة مرتبطة بـ10 من هذه الحوادث، وفق التحقيق، الذي أشار إلى أن تكرار استهداف بعض المواقع يضيف بعداً آخر إلى حجم الأضرار المسجلة.
كلفة تتجاوز إعادة الإعمار
وتشير حصيلة الأضرار الواردة في التحقيق إلى أن تداعيات الحرب في جنوب لبنان لا تقتصر على تدمير المنازل والمنشآت، بل تمتد إلى مقومات الحياة اليومية، من المياه والطرقات والرعاية الصحية إلى الزراعة والمدارس والمواقع التاريخية.
ويضع هذا الواقع الجنوب أمام احتياجات واسعة لإعادة التأهيل والإعمار واستعادة الخدمات الأساسية، فيما قد تجعل الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية والبيئة والأراضي الزراعية عودة السكان إلى مناطقهم أكثر تعقيداً وكلفة.
الدمار بعد الغارات
ومع اتساع نطاق الأضرار الموثقة، تبدو مرحلة ما بعد العمليات العسكرية أكثر تعقيداً من مجرد إعادة بناء المنازل، إذ يتطلب التعافي إعادة تأهيل شبكات المياه والطاقة والطرق والمنشآت الصحية والأراضي الزراعية، إلى جانب حماية ما تبقى من المواقع التاريخية والبيئية في جنوب لبنان.