سبعة أشهر على دمج الحسكة.. دولة واحدة بإدارتين

جاسم عليوي - الحسكة - وكالة أنباء آسيا

2026.08.12 - 13:56
Facebook Share
طباعة

 بعد نحو سبعة أشهر على بدء تنفيذ التفاهمات بين الحكومة السورية و"قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) بشأن دمج المؤسسات العسكرية والأمنية والمدنية في محافظة الحسكة، لا تزال المحافظة تعيش مرحلة انتقالية تتداخل فيها خرائط السيطرة مع خرائط الإدارة، بينما لم تتحول التفاهمات السياسية إلى منظومة مؤسساتية موحدة بصورة كاملة.

وتكشف تفاصيل الحياة اليومية في الحسكة أن عملية الدمج قطعت مراحل في بعض الملفات، لكنها لم تُنهِ بصورة شاملة تعدد المرجعيات الذي ترسخ خلال السنوات الماضية. فبينما باتت الحكومة السورية تسيطر على مساحات واسعة من أرياف المحافظة الجنوبية والشرقية وأجزاء من ريفها الغربي، بقيت المدن الرئيسية، ومنها الحسكة والقامشلي والمالكية والدرباسية وعامودا، ضمن نطاق نفوذ "قسد"، مع استمرار ترتيبات انتقالية في عدد من المؤسسات.

وكان الطرفان اتفقا في 29 كانون الثاني الماضي على البدء بدمج المؤسسات العسكرية والأمنية والخدمية ضمن هياكل الدولة السورية، على أن يبدأ التنفيذ تدريجياً اعتباراً من شباط. غير أن التطبيق على الأرض لا يزال متفاوتاً بين قطاع وآخر ومنطقة وأخرى.


اقرأ أيضا: توقيفات وتحقيقات بعد استهداف عائلات عائدة لرأس العين
اقرأ ايضا: أكثر من 400 عائلة تعود ورأس العين متوترة

 

خريطة السيطرة لا تطابق خريطة الإدارة

أبرز ما يميز المرحلة الحالية هو عدم تطابق السيطرة الجغرافية مع المرجعية الإدارية.

فالحكومة السورية تدير مناطق واسعة من الريف انطلاقاً من مدينة الشدادي، في حين تتركز "قسد" في المراكز السكانية الكبرى. وفي بعض المناطق، لا تزال المؤسسات المرتبطة بالوزارات الحكومية غير قادرة على استعادة نشاطها بصورة كاملة، بينما تواجه المؤسسات المحلية الأخرى تحديات تتعلق بالموارد والصلاحيات وآليات ارتباطها بالهيكل الحكومي الجديد.

وتبدو المشكلة أكثر تعقيداً في القطاعات التي تحتاج إلى جهة واحدة لاتخاذ القرار، مثل القضاء والسجلات المدنية والعقارية والتعليم والخدمات البلدية.

وبالتالي، فإن التحدي الرئيسي أمام عملية الدمج لم يعد مرتبطاً فقط بنقل عناصر أو موظفين من جهة إلى أخرى، وإنما بإعادة بناء سلسلة قرار واحدة تحدد من يدير المؤسسة، ومن يملك صلاحية إصدار القرار، ومن يتحمل مسؤولية تنفيذه ومحاسبته.

 

اقتصاد يعيش بثلاثة أسعار

وتقدم سوق الصرف مثالاً واضحاً على استمرار آثار المرحلة الانتقالية.

فالدولار في الحسكة لا يُتداول بسعر واحد، إذ يختلف السعر تبعاً لفئة العملة السورية المستخدمة في عملية الدفع أو التبديل.

ويبلغ سعر الدولار مقابل فئتي 2000 و5000 من العملة القديمة نحو 14,500 ليرة للشراء و14,900 للمبيع، بينما يرتفع أمام فئتي 500 و1000 إلى نحو 16,500 ليرة للشراء و17 ألفاً للمبيع.

أما مقابل العملة السورية الجديدة، فيتراوح السعر عند نحو 127 ليرة للشراء و132 للمبيع، أي ما يعادل 12,700 و13,200 ليرة بالعملة القديمة.

ويرتبط هذا التفاوت، وفق المعطيات المحلية، بضعف قنوات الصرف الرسمية المخصصة لتبديل العملة الجديدة، ما يجعل الصرافين الحلقة الرئيسية في عمليات التداول اليومية.

وبالنسبة للسكان والتجار، لا يمثل تعدد الأسعار مشكلة مالية فقط، بل يزيد صعوبة تحديد القيمة الفعلية للسلع والمبالغ، ويضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى سوق يعاني أصلاً من آثار التفاوت الاقتصادي بين مناطق المحافظة.

 

الأمن.. تعدد النقاط وتداخل الصلاحيات

ولا تزال الصورة الأمنية تعكس بدورها طبيعة المرحلة الانتقالية.

ففي المدن ومحيطها توجد حواجز ودوريات وقوى أمنية مرتبطة بجهات مختلفة، بينما تسجل بعض المناطق الريفية حوادث سرقة وسلب وإشكالات اجتماعية وعشائرية.

وتظهر مشكلة أخرى في الأرياف النائية تتمثل في سرقة مكونات شبكات الكهرباء، ولا سيما الأسلاك، في ظل صعوبة تغطية مناطق واسعة ومحدودية الإمكانات المتاحة.

ولا تكمن المسألة في وجود أكثر من قوة على الأرض فقط، وإنما في وضوح المسؤولية عند وقوع حادث. فكلما بقيت الصلاحيات الأمنية موزعة أو غير محددة بصورة نهائية، تصبح متابعة الشكاوى والتحقيق في الحوادث أكثر تعقيداً.

وهنا يمثل توحيد المرجعية الأمنية أحد الملفات الأساسية التي ستحدد مدى انتقال الحسكة من ترتيبات التعايش بين قوى متعددة إلى منظومة أمنية تابعة للدولة.

 

مدارس خارج الخدمة وسجلات متوقفة

في قطاع التعليم، لا تزال مدارس عدة خارج الخدمة بسبب الأضرار والسرقات، فيما تستخدم مدارس أخرى كمراكز لإيواء نازحين من رأس العين، الأمر الذي يؤخر عودتها إلى العملية التعليمية.

وتشمل الأضرار المسجلة في بعض المدارس خلع الأبواب والنوافذ وسرقة الأسلاك والتجهيزات، ما يجعل إعادة افتتاحها مرتبطة بعمليات تأهيل تتطلب موارد وإدارة واضحة.

وفي المقابل، يواجه قطاع الخدمات المدنية مشكلة أكثر حساسية، مع استمرار توقف أو تعثر عمل عدد من المحاكم والسجلات المدنية والعقارية.

ويؤثر ذلك مباشرة في معاملات المواطنين، من تسجيل الوقائع المدنية إلى تثبيت الملكيات وتنظيم عقود البيع والشراء ومعاملات الإرث.

وهذه الملفات لا تحمل طابعاً خدمياً فقط، بل ترتبط بحقوق قانونية قد تصبح أكثر تعقيداً كلما طال أمد توقف المؤسسات المسؤولة عن توثيقها.

 

البلديات.. مشكلة الإمكانات قبل الصلاحيات

أما البلديات، فتواجه تحديات مختلفة تتعلق بنقص العمال والآليات والوقود، وهو ما ينعكس على جمع النفايات والخدمات اليومية.

وتعاني بعض المناطق من عدم انتظام عمليات الترحيل، بينما تحتاج آليات العمل البلدي إلى إعادة تنظيم بالتوازي مع تحديد المرجعية الإدارية لكل بلدية والموارد التي ستخصص لها.

وبذلك، فإن توحيد المؤسسات لا يعني فقط وضعها تحت اسم إداري واحد، بل يحتاج إلى تمويل وموظفين وآليات وسلسلة واضحة لاتخاذ القرار.

 

الريف ينتظر مؤسسات مكتملة

وتبدو الفجوة أكبر في المناطق الريفية الخاضعة لإدارة الحكومة السورية.

فإلى جانب نقص الوقود والمياه والكهرباء، تعاني بعض المناطق من تضرر المباني الحكومية أو عدم توفر مراكز إدارية مجهزة، كما توجد حالات لم يحصل فيها بعض مديري النواحي والبلديات على رواتبهم بصورة منتظمة.

ويزيد اتساع المحافظة من صعوبة معالجة هذه المشكلات، خصوصاً في المناطق المحيطة بجبل عبد العزيز والأرياف البعيدة عن المراكز الرئيسية.

وهذا يعني أن توسيع السيطرة الحكومية جغرافياً لم يترافق حتى الآن بالسرعة نفسها مع بناء جهاز إداري وخدمي قادر على تغطية المناطق الجديدة بصورة كاملة.

 

العودة تختبر الدمج

ويشكل ملف النازحين أحد الاختبارات الأكثر حساسية لمسار توحيد المؤسسات.

فقد شهدت الفترة الماضية تسيير ثماني دفعات من نازحي عفرين ضمن ترتيبات للعودة، بالتزامن مع محاولات إعادة سكان إلى مناطق أخرى، بينها رأس العين.

لكن عودة أولى العائلات إلى رأس العين شهدت اعتداءات على أشخاص وممتلكات، ما أدى إلى فتح تحقيقات أمنية وتوقيف 13 شخصاً متهمين بالمشاركة في الاعتداءات، مع استمرار ملاحقة آخرين.

وتوسعت تداعيات الحادثة إلى مناطق أخرى، وصولاً إلى احتجاجات وأعمال شغب في عين العرب بريف حلب الشرقي.

وتكشف هذه التطورات أن ملف العودة لا يمكن فصله عن مسألة توحيد المؤسسات. فعودة السكان تحتاج إلى جهة أمنية قادرة على حمايتهم، وإدارة مدنية قادرة على استقبالهم، وسجلات تستطيع تثبيت ملكياتهم وحقوقهم، ومدارس وخدمات قادرة على استيعابهم.

 

الاختبار الحقيقي يبدأ الآن

بعد سبعة أشهر من بدء تنفيذ مسار الدمج، تبدو الحسكة أمام مرحلة فاصلة بين اتفاق سياسي لم تتضح جميع تفاصيله التنفيذية بعد، وواقع يومي لا يزال يحمل آثار تعدد مراكز الإدارة.

فالسيطرة الجغرافية تغيرت في أجزاء واسعة من المحافظة، لكن المؤسسات لم تتغير بالسرعة نفسها. وتكشف أسعار الصرف، وتعطل المحاكم والسجلات، وخروج المدارس عن الخدمة، وضعف البلديات، وتداخل المرجعيات الأمنية، أن عملية الانتقال لا تزال بحاجة إلى خطوات تنفيذية تتجاوز إعادة توزيع النفوذ.

والمرحلة المقبلة ستضع معياراً أكثر وضوحاً لنجاح الاتفاق: هل تستطيع الحكومة السورية تحويل مناطق سيطرتها إلى منظومة مؤسساتية متكاملة، وهل يمكن دمج المؤسسات الموجودة في المدن الرئيسية ضمن هيكل الدولة من دون ترك فراغ إداري أو خدمي؟

بالنسبة إلى سكان الحسكة، الإجابة لن تُقاس بالبيانات السياسية، وإنما بعودة المحكمة إلى العمل، وفتح السجل العقاري، وانتظام المدرسة، وجمع النفايات، وتوفر الكهرباء والمياه، ومعرفة الجهة الأمنية التي يمكن طرق بابها عند وقوع مشكلة.

وهنا تحديداً سيظهر ما إذا كان الدمج قد انتقل من اتفاق بين القوى إلى واقع يلمسه المواطن، أم أن المحافظة لا تزال في منتصف الطريق بين نظامين إداريين تشكلا خلال سنوات الانقسام.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 1 + 7