اختبار ما بعد الحرب
تتجه مدينة رفح جنوبي قطاع غزة إلى أن تكون أول منطقة يُختبر فيها نموذج لانسحاب إسرائيلي تدريجي من القطاع، وفق رسائل أميركية وصلت إلى المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، في إطار تصور يقوم على انسحاب القوات من مناطق محددة، يعقبه انتشار قوة متعددة الجنسيات، ثم السماح بعودة السكان.
ويواجه هذا السيناريو جملة من العقبات الأمنية والسياسية واللوجستية، في مقدمتها المخاوف الإسرائيلية من استغلال حركة حماس أي انسحاب لإعادة بناء قدراتها العسكرية في المناطق التي سيخليها الجيش.
رسائل أميركية
وبحسب المعطيات المتداولة في إسرائيل، تشير رسائل نقلها ممثلون أميركيون في مقر القيادة بمدينة كريات غات إلى أن رفح مرشحة لتكون المنطقة الأولى التي يُطبّق فيها نموذج تجريبي للانسحاب الإسرائيلي من غزة.
وتقوم الخطة الأميركية المقترحة على مراحل متتابعة، تبدأ بانسحاب إسرائيلي محدود من منطقة محددة، يليه دخول قوة متعددة الجنسيات، على أن تُفتح المنطقة أمام عودة المدنيين بعد استكمال الترتيبات الأمنية اللازمة.
خطط عسكرية
وفي موازاة ذلك، بدأ الجيش الإسرائيلي إعداد خطط عملياتية لعرضها على رئيس الأركان للمصادقة عليها، تتضمن آليات لمنع عناصر حماس من التسلل إلى المناطق التي سينسحب منها الجيش.
ويأتي ذلك في ظل تقديرات إسرائيلية بأن الحركة قد تحاول استغلال المناطق الواقعة خلف ما يعرف بـ"الخط الأصفر" لإعادة تنظيم صفوفها وترميم قدراتها العسكرية.
ورغم رفض إسرائيل، في الوقت الراهن، أي انسحاب قبل نزع قدرات حماس بصورة كاملة، لا تزال رفح مرشحة لتكون الاختبار الأول لمرحلة ما بعد العمليات القتالية في القطاع.
لماذا رفح؟
يرتبط اختيار رفح بوضعها الميداني، بعدما تعرضت المدينة لدمار واسع، فيما تعتبر إسرائيل أنها خضعت لعمليات عسكرية أضعفت وجود المسلحين فيها.
وبموجب التصور المطروح، يفترض أن تنسق مختلف مراحل الخطة عبر مركز القيادة في كريات غات، ضمن مسار أميركي-إسرائيلي يهدف في نهايته إلى نزع السلاح من قطاع غزة.
لكن الجيش الإسرائيلي يواصل، في الوقت نفسه، إعداد خطط لعمليات برية داخل القطاع، وهي خطط لم تحصل بعد على موافقة سياسية نهائية، في ظل الضغوط الأميركية المتزايدة.
عودة السكان
ولا تقتصر العقبات أمام نموذج رفح على الجانب الأمني، إذ يمثل حجم الدمار تحدياً مدنياً كبيراً.
فالسماح بعودة السكان يتطلب إعادة بناء البنية التحتية والخدمات الأساسية وتأمين الظروف اللازمة لاستعادة الحياة المدنية، وهو ما يجعل دخول قوة متعددة الجنسيات وحده غير كافٍ لبدء عودة السكان.
كما أن تشكيل هذه القوة لن يكون فورياً، إذ تحتاج الدول المشاركة فيها إلى أسابيع من التحضير والتدريب والتنسيق قبل أن تصبح قادرة على الانتشار.
هواجس إسرائيلية
وترى المؤسسة العسكرية الإسرائيلية أن الخطر الأكبر يتمثل في احتمال استغلال حماس عودة المدنيين لإدخال عناصرها إلى المناطق التي سيخليها الجيش، وإنشاء خلايا جديدة وإعادة بناء بنيتها العسكرية.
وفي حال بدء تنفيذ الانسحاب، من المتوقع أن تتغير طبيعة المهمة العسكرية الإسرائيلية في رفح، من العمليات الواسعة إلى التركيز على منع التهريب والتسلل وإحباط محاولات إعادة ترسيخ وجود الحركة.
وبحسب تقديرات داخل القيادة الجنوبية للجيش الإسرائيلي، فإن التحدي الأساسي لن يكون الانسحاب بحد ذاته، وإنما ضمان عدم عودة حماس إلى المناطق التي سيغادرها الجيش.
معضلة الأنفاق
وتبرز الأنفاق كواحدة من أصعب الملفات التي تواجه أي ترتيبات لما بعد الحرب.
وتشير تقديرات نقلت خلال المناقشات إلى أن تفكيك البنية التحتية للأنفاق في قطاع غزة قد يستغرق سنوات طويلة، وقد يصل إلى نحو عقد، ما يعكس حجم الفجوة بين تنفيذ انسحاب تدريجي من مناطق محددة وبين تحقيق هدف نزع السلاح بالكامل.
انسحاب محدود
ويؤكد التصور العسكري الإسرائيلي أن أي انسحاب محتمل من رفح لن يعني العودة إلى خطوط ما قبل 7 تشرين الأول، بل سيبقى ضمن نطاق الحزام الأمني الذي تحدده إسرائيل.
وبذلك، لا تبدو رفح مجرد نقطة انطلاق لانسحاب إسرائيلي محتمل، بل اختباراً ميدانياً لنموذج أوسع لمرحلة ما بعد الحرب في غزة، تتداخل فيه الترتيبات الأمنية مع إعادة الإعمار وعودة السكان.
اختبار ما بعد الحرب
ويبقى نجاح نموذج رفح مرتبطاً بقدرة القوة التي ستنتشر بعد الانسحاب على منع عودة حماس إلى المناطق التي يخليها الجيش الإسرائيلي، وبمدى قدرة الأطراف المعنية على معالجة الدمار الهائل وتأمين الخدمات الأساسية.
وبين الضغوط الأميركية والتحفظات الإسرائيلية والتحديات الميدانية، لا يزال تنفيذ الانسحاب بعيداً عن الحسم، فيما قد تتحول رفح، إذا اعتمدت رسمياً، إلى أول اختبار فعلي لترتيبات اليوم التالي للحرب في قطاع غزة.
اقرأ أيضاً: للمرة الأولى.. إسرائيل تلوّح بصدام مع ترامب بشأن غزة