هرمز وباب المندب وتايوان.. مفاتيح الحرب والاقتصاد

2026.08.10 - 20:48
Facebook Share
طباعة

لم تعد الممرات البحرية مجرد مسارات تعبرها السفن لنقل البضائع والطاقة بين القارات، فقد تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى نقاط ضغط استراتيجية يمكن أن تهز الأسواق العالمية بمجرد تعرضها للتهديد أو الاضطراب. وبين مضيق هرمز وباب المندب والبحر الأسود ومضيق تايوان، تتقاطع حسابات الأمن والتجارة والطاقة في واحدة من أكثر خرائط العالم حساسية.

 

تكمن أهمية هذه الممرات في الدور الذي يؤديه النقل البحري داخل الاقتصاد العالمي، إذ تنقل السفن ما بين 80% و90% من السلع المتداولة عالميا من حيث الحجم، وأكثر من 70% من التجارة العالمية من حيث القيمة.

 

أعادت الحرب على إيران منذ 28 فبراير/شباط الماضي تسليط الضوء على هشاشة هذه الشرايين، بعدما تصدر مضيق هرمز المشهد، بالتزامن مع تصاعد المخاطر في البحر الأحمر وباب المندب، واستمرار التوتر حول مضيق تايوان، إلى جانب تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية على حركة الملاحة في البحر الأسود.

 

تتفاوت الممرات في المساحة والموقع وطبيعة البضائع التي تعبرها، لكنها تشترك في قيمة استراتيجية واحدة؛ فهي تحمل الغذاء والطاقة والمواد الخام والمكونات الصناعية التي تعتمد عليها اقتصادات تمتد من آسيا إلى أوروبا وأفريقيا.

 

لذلك فإن أي اضطراب في الملاحة لا يبقى محصورا في البحر، بل ينتقل سريعا إلى أسعار الوقود والغذاء والتأمين والشحن، ثم يصل أثره إلى المصانع والمتاجر والمستهلكين.

 

تكشف أزمات العقود الأخيرة أن القوى الكبرى لا تستطيع دائما تأمين هذه الطرق بصورة كاملة، كما أن جماعات ودولاً أقل قوة عسكريا باتت تمتلك وسائل قادرة على تعطيل حركة السفن ورفع كلفة التجارة الدولية.

 

يمثل مضيق هرمز أبرز الأمثلة على ذلك، فهو يصل الخليج العربي ببحر العرب ثم المحيط الهندي، ويقع بين إيران وسلطنة عمان، ويعد المنفذ الرئيسي لصادرات الطاقة من دول الخليج.

 

تمر عبر المضيق نسبة تقارب 11% من حجم التجارة الدولية، ونحو 20% من الاستهلاك العالمي للنفط ومشتقاته، إضافة إلى قرابة 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال عالميا، فضلا عن كميات كبيرة من البتروكيماويات والأسمدة.

 

تراجعت حركة السفن عبر هرمز بصورة حادة خلال الحرب، إذ أفادت شركة كبلر بأن ثماني سفن فقط عبرت المضيق يوم الجمعة الماضي، مقارنة بمتوسط بلغ ست سفن يوميا خلال مارس/آذار الماضي، في حين كانت حركة الملاحة قبل الحرب تتراوح بين 130 و140 سفينة يوميا.

 

ظل احتمال إغلاق هرمز حاضرا لعقود في ظل التوتر بين إيران والولايات المتحدة، لكنه تحول خلال الحرب الأخيرة إلى واقع فعلي بعد أيام من اندلاع القتال.

 

انعكس اضطراب الملاحة على سوق النفط وتكاليف النقل والتأمين، وسط تقديرات اقتصادية تحدثت عن خسائر ضخمة نتيجة تعطل الشحنات. كما ارتفعت أسعار النفط إلى أكثر من 100 دولار للبرميل، بزيادة تجاوزت 50% مقارنة بمستويات ما قبل الحرب، وفقا لما أوردته رويترز.

 

امتد الضرر إلى شركات تعمل في قطاعات متعددة، بعدما واجهت مؤسسات في أوروبا وآسيا ارتفاعا في تكاليف الطاقة وصعوبة في الحصول على المواد الخام والمدخلات الصناعية، بينها الأسمدة والهيليوم والألمنيوم والبولي إيثيلين.

 

تظهر أهمية باب المندب في موقعه بوصفه البوابة الجنوبية للبحر الأحمر، فيما تمثل قناة السويس بوابته الشمالية، ليشكلا معا ممرا أساسيا يصل المحيط الهندي بالبحر المتوسط ويختصر المسافة البحرية بين آسيا وأوروبا.

 

وتمر عبر باب المندب نسبة تتراوح بين 12% و15% من التجارة العالمية، إلى جانب نحو 30% من تجارة الحاويات، وبضائع تتجاوز قيمتها تريليون دولار سنويا، فضلا عن نحو 10% من تجارة النفط المنقولة بحرا، بحسب بيانات نقلتها بلومبيرغ.

 

وأظهر عام 2023 حجم المخاطر التي يمكن أن يفرضها اضطراب هذا الممر، عندما دفعت هجمات الحوثيين على السفن شركات الشحن إلى تحويل مساراتها نحو رأس الرجاء الصالح، ما أطال الرحلات بين آسيا وأوروبا ورفع تكاليف النقل والتأمين.

 

عاد الضغط على الممر مع تجدد التوترات المرتبطة بالحرب على إيران، وسط مخاوف من اجتماع خطرين في هرمز وباب المندب بما يضاعف الضغوط على التجارة العالمية.

 

وأعلنت السعودية في 30 يوليو/تموز الماضي عن تحالف بحري دفاعي متعدد الجنسيات بهدف حماية حرية الملاحة، عقب اجتماع في الرياض شاركت فيه 43 دولة. وقالت الرياض إن 14 دولة قررت الانضمام إلى التحالف، بينما تواصل دول أخرى استكمال الإجراءات اللازمة.

 

رغم التحركات الرامية إلى حماية الملاحة، ظلت حركة العبور منخفضة، إذ نقلت رويترز عن بيانات كبلر أن سفينة واحدة فقط عبرت باب المندب في 5 أغسطس/آب الجاري، مقارنة بـ20 سفينة في اليوم السابق وأكثر من 50 سفينة في الظروف الطبيعية.

 

أما البحر الأسود، فرغم أنه ليس مضيقا، فإن موقعه المغلق نسبيا يجعله ممرا تجاريا حساسا، إذ لا تصل موانئه إلى البحار المفتوحة إلا عبر مضيقي البوسفور والدردنيل في تركيا.

 

تطل على البحر ست دول هي أوكرانيا وروسيا وجورجيا وتركيا وبلغاريا ورومانيا، فيما تبرز موسكو وأنقرة بوصفهما صاحبتَي نفوذ رئيسي في المنطقة، خصوصا مع امتلاك تركيا المخرج البحري الذي يربط البحر الأسود بالمتوسط.

 

شهد مضيق البوسفور أكثر من 40 ألف عبور للسفن خلال عام 2025، بحمولة تجاوزت 619 مليون طن، وبمتوسط بلغ نحو 110 سفن يوميا، بحسب وكالة الأناضول.

 

ترتبط أهمية البحر الأسود بتجارة النفط القادمة من روسيا وكازاخستان، إلى جانب صادرات الحبوب الروسية والأوكرانية. وتملك الدولتان حصة كبيرة من تجارة الحبوب العالمية، مع تفوق روسيا في القمح وأوكرانيا في الذرة.

 

أدت الهجمات المتبادلة بين موسكو وكييف إلى استهداف منشآت مرتبطة بتصدير الحبوب وسفنا تجارية، ما أثار مخاوف بشأن أمن الإمدادات الغذائية العالمية.

 

سجلت أسعار القمح العالمية ارتفاعا حادا، بلغ نحو 25% مقارنة بمستويات بداية العام، وفقا للمعهد الدولي لبحوث السياسات الغذائية.

 

تمتلك أوكرانيا بدائل برية ونهرية لتصدير جزء من إنتاجها عبر رومانيا، إلا أن ارتفاع الكلفة يحد من جدواها، بينما تواجه روسيا صعوبات مماثلة في استخدام مسارات بديلة عبر بحر البلطيق والبحر المتجمد الشمالي.

 

وأثبت البحر الأسود كذلك أن الطائرات المسيّرة قادرة على تغيير طبيعة المواجهة البحرية، عبر توفير وسيلة أقل كلفة لتهديد السفن والموانئ والمنشآت الحيوية، وهو ما يرفع المخاطر الاقتصادية حتى عندما لا يتوقف الممر بالكامل.

 

في شرق آسيا، يحتل مضيق تايوان موقعا مختلفا، لكنه لا يقل حساسية. يفصل المضيق الجزيرة عن البر الصيني ويربط بحر جنوب الصين ببحر شرق الصين، كما يمثل طريقا رئيسيا للتجارة الصناعية وسلاسل الإمداد العالمية.

تقدر حصة المضيق من التجارة الدولية بنحو 20%، فيما تعتمد اليابان وكوريا الجنوبية بدرجة كبيرة على هذا الطريق. وأظهرت دراسة لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية أن 30% من واردات اليابان و24% من واردات كوريا الجنوبية عبرت المضيق خلال عام 2024.

 

تتجاوز أهمية تايوان الجانب التجاري، إذ يقع المضيق في قلب نزاع جيوسياسي بين الصين والولايات المتحدة. تعتبر بكين الجزيرة جزءا من أراضيها وتتمسك بمبدأ "صين واحدة"، بينما تعد واشنطن تايوان شريكا استراتيجيا وتعارض أي محاولة لفرض السيطرة عليها بالقوة.

 

ازدادت حساسية المنطقة مع انتقال التدريبات العسكرية إلى سيناريوهات تحاكي الحصار والسيطرة على الممرات البحرية. أجرت الصين في أواخر الشهر الماضي تدريبات بالذخيرة الحية قرب المضيق، في حين تستعد تايوان لتدريبات تتضمن حماية خطوط الإمداد البحرية ونقل منشآت إنتاج السلاح في حال اندلاع مواجهة.

 

أي عرقلة للملاحة في مضيق تايوان ستكون آثارها أوسع من الإقليم الآسيوي، نظرا إلى ارتباط المنطقة بصناعة أشباه الموصلات والمكونات الإلكترونية والآلات، وهي سلع يصعب تعويض مساراتها بسرعة.

 

تجعل هذه المعطيات المضيق مرشحا لأن يصبح أحد أبرز بؤر التوتر البحري خلال السنوات المقبلة، خصوصا مع احتدام المنافسة على النفوذ بين الولايات المتحدة والصين.

 

تتفق الممرات الأربعة على عامل أساسي يتمثل في صعوبة توفير بدائل سريعة ومنخفضة الكلفة. يرى الباحث السياسي نيكولاس شوليك أن المخاطر الراهنة تكمن في تحول الطرق البحرية الحيوية إلى أدوات للتأثير الجيوسياسي، بينما يربط الباحث كريستيان فيرت خطورة أي ممر بحجم حركة الملاحة، والبدائل المتاحة، والوضع السياسي المحيط به.

 

كلما زادت حركة السفن وصعب العثور على طريق بديل، ارتفعت القيمة الاستراتيجية للممر وازدادت كلفة تعطيله.

 

يظهر مضيق هرمز بوضوح في هذه المعادلة، فحتى عندما تتوفر خطوط أنابيب قادرة على نقل جزء من النفط برا، تبقى بعض الصادرات مرتبطة بممرات بحرية أخرى، بينها باب المندب، للوصول إلى الأسواق العالمية.

 

لا تبدأ الكلفة عند لحظة الإغلاق الكامل؛ يكفي ارتفاع مستوى الخطر حتى تعيد شركات التأمين تسعير المخاطر، وتبدأ شركات النقل في تقييم جدوى الرحلات، فتتأثر أسعار الطاقة والغذاء والسلع قبل توقف حركة الملاحة تماما.

 

في اقتصاد عالمي يعتمد على سلاسل توريد طويلة ومخزونات محدودة، يمكن لممر بحري ضيق أن يفرض تداعيات تتجاوز حدوده الجغرافية بكثير. لذلك تحولت هرمز وباب المندب والبحر الأسود وتايوان إلى نقاط اختبار حقيقية لقدرة العالم على حماية شرايين التجارة في زمن تتداخل فيه الجغرافيا البحرية مع صراعات القوى الكبرى.

 اقرأ أيضاً:ستة تغييرات مفصلية في قلب المؤسسة العسكرية الإيرانية

 

 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 2 + 8

اقرأ أيضاً