أوروبا بلا غطاء أمريكي.. هل تصمد أمام روسيا؟

2026.08.10 - 09:52
Facebook Share
طباعة

اختبار صعب
تواجه الدول الأوروبية اختباراً أمنياً متزايداً مع تصاعد المخاوف من احتمال إقدام روسيا على اختبار تماسك حلف شمال الأطلسي عبر هجوم محدود أو عملية هجينة ضد إحدى دوله، في وقت تنشغل فيه الولايات المتحدة بالحرب مع إيران، فيما تبقى حسابات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه موسكو عاملاً مؤثراً في مستقبل الالتزام الأمريكي بأمن أوروبا.
ويترك هذا المشهد العواصم الأوروبية أمام سؤال أساسي يتعلق بمدى قدرتها على الرد عسكرياً في حال تعرض إحدى دول الحلف لهجوم، ومدى سرعة وفاعلية تفعيل مبدأ الدفاع الجماعي المنصوص عليه في المادة الخامسة من ميثاق الناتو.


هواجس متصاعدة
وتأتي هذه المخاوف في ظل تقديرات استخباراتية حذرت من احتمال سعي الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى اختبار تماسك الحلف عبر هجوم عسكري محدود أو عمليات هجينة تستهدف إحدى دول الجناح الشرقي، مثل بولندا أو رومانيا أو دول البلطيق، خلال السنوات المقبلة.
وفي المقابل، يرى خبراء أن موسكو لا تبدو بحاجة في الوقت الراهن إلى فتح مواجهة مباشرة مع الناتو لإثبات قوتها العسكرية، خصوصاً أن مثل هذه الخطوة قد ترفع المخاطر الاستراتيجية عليها وتوفر للدول الأوروبية مبررات إضافية لتعزيز التعبئة العسكرية ضدها.


حرب في المنطقة الرمادية
ويرجح خبراء أن يكون السيناريو الأكثر احتمالاً استمرار المواجهة في ما يعرف بـ"المنطقة الرمادية"، من خلال الضغوط السياسية والهجمات السيبرانية والتشويش على أنظمة الاتصالات والملاحة والعمليات الاستخباراتية، إلى جانب احتمال استهداف بنى تحتية وارتفاع وتيرة الاحتكاك في المجالين البحري والجوي.
وقد تتطور هذه الأنشطة إلى حوادث محدودة وغير مخطط لها، خصوصاً مع استمرار انتشار القوات والمناورات العسكرية والطائرات المسيّرة والعمليات الإلكترونية قرب مناطق التماس.
ويحذر خبراء من أن وقوع حادث في ظل هذه البيئة المتوترة قد يجعل احتواء التصعيد أكثر صعوبة، ويفتح الباب أمام سلسلة من الإجراءات المتبادلة يصعب التراجع عنها.


عقدة المادة الخامسة
ولا يرتبط اختبار المادة الخامسة من ميثاق الناتو بالقدرات العسكرية للدول الأعضاء وحدها، بل بمدى استعدادها السياسي لتحمل تبعات الدخول في مواجهة واسعة مع روسيا.
وتنص المادة الخامسة على أن أي هجوم مسلح ضد دولة عضو في أوروبا أو أمريكا الشمالية يُعد هجوماً ضد جميع أعضاء الحلف، بما يكرس مبدأ الدفاع الجماعي.
لكن تطبيق هذا المبدأ عملياً يظل مرتبطاً بطبيعة الهجوم، والظروف المحيطة به، وآليات اتخاذ القرار داخل الحلف، فضلاً عن موقف الولايات المتحدة باعتبارها القوة العسكرية الرئيسية فيه.


أوروبا تعيد حساباتها
ويمنح الحديث المتزايد عن احتمال تعرض دول مثل بولندا لتهديد روسي، الحكومات الأوروبية مساحة أكبر لتبرير زيادة الإنفاق الدفاعي، وتعزيز انتشار قوات الناتو على الحدود الشرقية، وتسريع برامج التسليح وإعادة بناء القدرات العسكرية.
وفي المقابل، يرى محللون أن تضخيم بعض التحذيرات الأمنية من دون قراءة دقيقة للواقع الميداني قد يؤدي إلى زيادة التوتر، خصوصاً مع استمرار الحشود العسكرية والمناورات والأنشطة الجوية والبحرية بالقرب من الحدود الروسية.


فخ المواجهة
وتبرز في هذا السياق اتهامات بشأن محاولات استخباراتية بريطانية مزعومة لتجنيد طيارين روس بهدف تنفيذ هجمات على مواقع تابعة للناتو في رومانيا وإلقاء المسؤولية على موسكو.
وإذا صحت هذه المزاعم، فإن مثل هذه العمليات قد ترفع خطر الانزلاق إلى مواجهة مباشرة، عبر خلق وقائع يصعب احتواؤها أو تفسيرها سياسياً في بيئة أمنية شديدة الحساسية.
ويرى محللون أن الخطر يكمن في أن تجد أوروبا نفسها منخرطة في مواجهة عسكرية واسعة لا تملك وحدها القدرة على إدارتها أو تحمل كلفتها الاقتصادية والسياسية والأمنية، في وقت لا يزال فيه الموقف الأمريكي النهائي من حدود الالتزام بالدفاع عن الحلف موضع تساؤلات.


موسكو بين التصعيد والاحتواء
وفي المقابل، يرجح خبراء استمرار حالة "اللاحرب واللاسلم" بين روسيا والغرب، في ظل غياب تفاهمات أمنية جديدة أو قواعد واضحة للاشتباك.
وقد تتحول مناطق البلطيق وبولندا والبحر الأسود، إلى جانب القطب الشمالي وبعض مناطق جنوب أوروبا، إلى ساحات احتكاك متكرر، مع استمرار المنافسة العسكرية والأمنية والسياسية بين الطرفين.
كما أن استمرار الحرب الروسية الأوكرانية، بالتوازي مع غياب تسوية أمنية أوسع، قد يبقي القارة الأوروبية أمام حالة استنفار طويلة الأمد.


واشنطن.. الحلقة الأهم
ويرى خبراء في الشؤون الأوروبية أن التحذيرات من هجمات محتملة على دول الناتو تتزايد عادة خلال الفترات التي تواجه فيها الولايات المتحدة أزمات عسكرية أو سياسية خارجية، وهو ما يضاعف حالة القلق داخل العواصم الأوروبية.
وفي ظل انشغال واشنطن بالحرب مع إيران، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة تعزيز قدراتها الدفاعية وتقليل اعتمادها على الدعم الأمريكي، دون أن يعني ذلك امتلاكها في الوقت الراهن قدرة مستقلة كاملة على خوض مواجهة واسعة مع روسيا.
كما أن أي هجوم على دولة عضو سيضع الحلف أمام اختبار سياسي وعسكري بالغ التعقيد، خصوصاً إذا لم يكن الموقف الأمريكي واضحاً منذ اللحظة الأولى.


أوروبا أمام اختبار الاستقلال
لا تبدو المخاوف الأوروبية مرتبطة باحتمال اندلاع حرب روسية ــ أطلسية شاملة فحسب، بل أيضاً بقدرة القارة على التعامل مع سلسلة من الضغوط والعمليات الهجينة التي قد تستمر دون الوصول إلى مواجهة مباشرة.
وبينما تعزز الدول الأوروبية إنفاقها الدفاعي وتعيد بناء قدراتها العسكرية، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: هل تستطيع أوروبا الردع والدفاع عن نفسها إذا اضطرت إلى مواجهة روسيا في وقت تكون فيه الولايات المتحدة منشغلة بجبهات أخرى؟
الإجابة ستتوقف بدرجة كبيرة على قدرة العواصم الأوروبية على بناء موقف موحد، وعلى مدى استعدادها لتحمل كلفة المواجهة، وعلى طبيعة الالتزام الأمريكي بمبدأ الدفاع الجماعي داخل الناتو. 

 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 4 + 7