تكثف الحكومة العراقية، مدعومة بقوى سياسية نافذة وقيادات أمنية، تحركاتها لاحتواء موقف الفصائل المسلحة الموالية لإيران، في محاولة لمنع أي تصعيد عسكري قد يستهدف السعودية أو أي دولة خليجية، مع اقتراب انتهاء المهلة التي حددتها "المقاومة الإسلامية في العراق" في السادس من أغسطس/آب، وسط تحذيرات من أن أي هجوم قد يفتح الباب أمام مواجهة إقليمية جديدة تتجاوز حدود العراق.
تأتي هذه التحركات عقب الضربات الجوية التي استهدفت، الأسبوع الماضي، مواقع تابعة لـ"الحشد الشعبي" وأسفرت عن سقوط قتلى وجرحى، ما دفع الفصائل إلى منح الحكومة مهلة لإثبات قدرتها على حماية السيادة العراقية والرد على تلك الهجمات، قبل اتخاذ خطوات قالت إنها ستكون رداً على ما جرى.
تشير مصادر عراقية مطلعة إلى أن بغداد فتحت خلال الأيام الماضية قنوات اتصال مكثفة مع قادة الفصائل المسلحة، بالتوازي مع اجتماعات متواصلة ضمت قيادات في الإطار التنسيقي ومسؤولين أمنيين، بهدف احتواء الموقف ومنع تنفيذ أي عمليات عسكرية قد تنطلق من الأراضي العراقية باتجاه السعودية أو أي دولة خليجية.
ترتكز الجهود على قناعة رسمية بأن أي تصعيد سيضع العراق أمام تحديات سياسية وأمنية واقتصادية كبيرة، في وقت تعمل فيه الحكومة على ترسيخ سياسة تجنيب البلاد تداعيات الصراعات الإقليمية، وتعزيز علاقاتها مع محيطها العربي، ولا سيما دول الخليج التي شهد التعاون معها تطوراً ملحوظاً خلال الأعوام الأخيرة على المستويات السياسية والاقتصادية والاستثمارية.
كشفت المصادر أن بغداد تلقت خلال الأيام الماضية رسائل خليجية وصفتها بـ"الواضحة والحازمة"، أكدت أن أي اعتداء ينطلق من الأراضي العراقية سيحمّل الحكومة مسؤولية مباشرة، وقد يستدعي رداً يستهدف مصادر التهديد، الأمر الذي رفع مستوى الاستنفار داخل المؤسسات الرسمية ودفعها إلى تكثيف جهودها لمنع انزلاق البلاد إلى مواجهة لا ترغب بها.
تكتسب التطورات أهمية إضافية مع استعداد رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي لزيارة السعودية الأسبوع المقبل، بعد تأجيلها نتيجة التطورات الأمنية الأخيرة، إذ تنظر الحكومة إلى الزيارة باعتبارها محطة مهمة لإعادة تأكيد التزامها بأمن دول الجوار، وتوسيع التعاون مع الرياض في الملفات السياسية والاقتصادية والاستثمارية، بينما ترى أن أي تصعيد قبل الزيارة قد ينعكس سلباً على هذا المسار ويقوض الجهود الدبلوماسية التي بُذلت خلال الفترة الماضية.
تمثل الساعات التي تسبق انتهاء المهلة اختباراً حقيقياً لقدرة الحكومة على فرض سلطتها ومنع استخدام الأراضي العراقية في أي عمليات عسكرية خارج إطار الدولة، في ظل محاولاتها المحافظة على توازن دقيق بين الضغوط التي تمارسها الفصائل المسلحة ومتطلبات حماية الأمن الداخلي والحفاظ على علاقات العراق الإقليمية.
يرى مراقبون أن التحركات السياسية والأمنية الجارية تعكس إدراكاً رسمياً لحساسية المرحلة، وأن أي استهداف للسعودية سيضع العراق أمام أزمة إقليمية معقدة، وقد يحوله إلى ساحة مواجهة مباشرة بين أطراف الصراع، بما يحمله ذلك من تداعيات أمنية وسياسية واقتصادية.
التهديدات الصادرة عن بعض الفصائل لا ترتبط فقط بالرد على الضربات الأخيرة، وإنما تستخدم أيضاً كورقة ضغط على الحكومة العراقية، كما أشاروا إلى أن أي هجوم على السعودية قد يؤثر في علاقات بغداد مع دول الخليج، ويترك انعكاسات سلبية على الاستثمارات والمشاريع الاقتصادية، فضلاً عن احتمال تعرض العراق لضغوط سياسية أو ردود عسكرية مباشرة.
يكتسب توقيت الزيارة المرتقبة لرئيس الوزراء العراقي إلى الرياض أهمية خاصة، إذ تمثل فرصة لإثبات قدرة بغداد على الوفاء بتعهداتها بعدم السماح باستخدام أراضيها منصة لاستهداف دول الجوار، كما ستشكل مؤشراً على نجاح الحكومة في تثبيت سياسة التهدئة وإبعاد العراق عن دائرة المواجهة الإقليمية.
يبقى تجاوز المهلة التي حددتها الفصائل من دون تنفيذ أي هجمات العامل الأكثر أهمية في قياس قدرة الحكومة العراقية على إدارة التوازنات الداخلية، وترسيخ احتكار الدولة لقرار السلم والحرب، ومنع انتقال التوترات الإقليمية إلى الداخل العراقي، في مرحلة توصف بأنها من أكثر المراحل حساسية منذ سنوات.