شهد المسار الجنوبي لمضيق هرمز قبالة محافظة مسندم العمانية تصعيداً بحرياً لافتاً بعد وقوع حادثين متقاربين زمنياً خلال أقل من ساعة ونصف، في تطور أعاد المخاوف بشأن أمن الملاحة في أحد أهم الممرات البحرية لنقل الطاقة عالمياً، بالتزامن مع تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران وتعثر المساعي الدبلوماسية التي ترعاها سلطنة عمان.
وبحسب بلاغين منفصلين لهيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية، وقع الحادث الأول قبالة مدينة خصب، قبل أن تتلقى الهيئة بلاغاً ثانياً بعد نحو 84 دقيقة يفيد بإصابة ناقلة تجارية بمقذوف مجهول قرب منطقة ليما العمانية، دون أن تتضح على الفور الجهة المسؤولة أو طبيعة السلاح المستخدم.
بدأت الأحداث عندما أفاد ربان إحدى السفن التجارية بمشاهدة انفجار أعقبه تناثر كثيف للمياه على مقربة من ناقلته أثناء إبحارها شمال شرقي خصب، مؤكداً أن السفينة لم تتعرض لأضرار وأنها واصلت رحلتها بشكل طبيعي، فيما لم تعلن السلطات البحرية هوية السفينة أو طبيعة الجسم الذي تسبب بالانفجار.
ولم يمض وقت طويل حتى ورد بلاغ جديد عن إصابة ناقلة أخرى بمقذوف مجهول شمال شرقي منطقة ليما، في حادثة بدت أكثر خطورة، إذ تحدثت التقارير عن تعرض السفينة لإصابة مباشرة، بينما بقيت تفاصيل الأضرار محدودة بانتظار استكمال التحقيقات الفنية.
وتقاطعت هذه المعلومات مع إعلان شركة "غاسلوغ" المشغلة لناقلة الغاز الطبيعي المسال "غاسلوغ شنغهاي"، التي أكدت تعرض إحدى ناقلاتها لحادث أثناء مغادرتها مضيق هرمز في الحادي والثلاثين من يوليو، موضحة أن أفراد الطاقم لم يصابوا بأذى وأن السفينة بقيت مستقرة، في حين جرى تفعيل خطط الطوارئ وإبلاغ الجهات المختصة لتقييم وضعها الفني.
وتشير بيانات الملاحة البحرية إلى أن الناقلة كانت قد غادرت ميناء رأس لفان القطري قبل أيام وهي محملة جزئياً بالغاز الطبيعي المسال، بينما أظهرت سجلات التتبع توقف بث إشاراتها الملاحية قبل ساعات من توقيت الحادث المعلن، الأمر الذي زاد من الغموض المحيط بما جرى، خاصة مع عدم إعلان وجهتها النهائية أو الكشف عن حجم الأضرار التي لحقت بها.
وفي موازاة التطورات الميدانية، كانت إيران قد أصدرت قبل وقوع الحادثين بساعات بياناً أعلن فيه الحرس الثوري تعرض ناقلتين لما وصفه بالإصابة بعد محاولتهما عبور مضيق هرمز عبر مسار غير آمن وتحت مرافقة جوية أمريكية، مضيفاً أن ناقلات أخرى غيرت مسارها عقب تلقي تحذيرات إيرانية.
إلا أن البيان لم يتضمن أسماء السفن أو توقيت الحوادث أو مواقعها الدقيقة، وهو ما يجعل الربط المباشر بين ما أعلنه الحرس الثوري والحادثتين اللتين سجلتهما السلطات البحرية أمراً غير محسوم حتى الآن، في ظل غياب معلومات رسمية تؤكد وجود صلة بين الوقائع المختلفة.
وزاد من حالة الالتباس تداول وسائل إعلام إيرانية مقطعاً مصوراً لناقلة تشتعل فيها النيران وسط البحر، قبل أن يتبين أن المشاهد تعود إلى حادث سابق تعرضت له ناقلة منتجات نفطية قرب مسندم قبل نحو أحد عشر يوماً، ما يعني أن الفيديو لا يرتبط بالحوادث الأخيرة رغم إعادة نشره بالتزامن معها.
وتأتي هذه التطورات في وقت يشهد فيه مضيق هرمز حالة استنفار متزايدة مع استمرار التوتر العسكري في المنطقة، إذ يمثل الممر البحري شرياناً رئيسياً لتصدير النفط والغاز من دول الخليج إلى الأسواق العالمية، ما يجعل أي حادث أمني فيه محل متابعة مباشرة من شركات الطاقة وأسواق النقل البحري وشركات التأمين.
ويرى مراقبون أن تكرار الحوادث البحرية، حتى في ظل غياب تبنٍ رسمي أو أدلة حاسمة حول منفذيها، يرفع مستوى المخاطر التشغيلية للسفن التجارية، ويدفع شركات الملاحة إلى مراجعة إجراءات السلامة ومسارات الإبحار، وهو ما قد ينعكس على تكاليف النقل وأسعار التأمين إذا استمرت حالة التوتر.
كما تعكس الوقائع الأخيرة هشاشة الوضع الأمني في المضيق، إذ يكفي وقوع حوادث محدودة أو غامضة لإثارة قلق الأسواق الدولية وإعادة طرح المخاوف بشأن أمن إمدادات الطاقة العالمية، خصوصاً في ظل تعثر المسار التفاوضي بين واشنطن وطهران واستمرار تبادل الرسائل السياسية والعسكرية في المنطقة.
وبينما تتواصل التحقيقات لتحديد ملابسات الحادثين، يبقى المشهد مفتوحاً على احتمالات متعددة، تتراوح بين اعتبارهما حادثين منفصلين أو جزءاً من تصعيد أوسع في المياه الإقليمية، وهو ما يجعل الأيام المقبلة حاسمة في تحديد ما إذا كان مضيق هرمز مقبلاً على مرحلة أكثر توتراً أم أن التحركات الدبلوماسية ستنجح في احتواء الموقف قبل اتساعه.