الحوثيون وباب المندب.. هل تتحول التهديدات إلى واقع؟

2026.07.30 - 16:31
Facebook Share
طباعة

أثارت الأنباء المتداولة بشأن دراسة جماعة الحوثيين فرض رسوم على السفن التجارية العابرة لمضيق باب المندب وجنوب البحر الأحمر موجة من المخاوف بشأن مستقبل الملاحة في أحد أكثر الممرات البحرية أهمية للتجارة العالمية، وسط تحذيرات من أن أي خطوة من هذا النوع، حتى وإن لم تُنفذ، قد تدفع شركات الشحن إلى إعادة حساباتها ورفع تكاليف النقل والتأمين.

 

وتأتي هذه المخاوف في وقت تتصاعد فيه التوترات في البحر الأحمر، بعد إعلان الجماعة فرض حصار بحري على السعودية، بينما نفى عضو المكتب السياسي للحوثيين حزام الأسد وجود أي خطة لفرض رسوم على السفن، مؤكداً أن العمليات البحرية تقتصر، وفق تعبيره، على السفن المرتبطة بالسعودية.

 

مخاوف تتجاوز الرسوم:

 

ونقلت وكالة "رويترز" عن مصادر إقليمية أن الحوثيين يدرسون فرض رسوم على السفن التجارية المبحرة عبر جنوب البحر الأحمر، وهو ما أعاد إلى الواجهة التساؤلات حول قدرة الجماعة على تحويل تهديداتها البحرية إلى إجراءات عملية تمس حركة التجارة الدولية.

 

ويرى مراقبون أن مجرد تداول الفكرة يحمل تداعيات اقتصادية وسياسية، لأن شركات الملاحة وشركات التأمين تبني قراراتها على مستوى المخاطر، وليس فقط على القرارات المنفذة، وهو ما قد ينعكس مباشرة على حركة السفن العابرة للمضيق.

 

دعوات لتحالف يحمي باب المندب:

 

ودعا نائب وزير الخارجية اليمني مصطفى نعمان إلى تشكيل تحالف إقليمي ودولي لتأمين الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، معتبراً أن أمن هذا الممر لا يمثل شأناً يمنياً فحسب، بل قضية ترتبط بالأمن الاقتصادي العالمي.

 

وأوضح أن أجزاء واسعة من البحر الأحمر تقع ضمن السيطرة الحوثية، في حين تسيطر القوات الحكومية على مناطق تمتد حتى باب المندب، وهو ما يجعل أي ترتيبات أمنية مستقبلية بحاجة إلى تعاون إقليمي ودولي، نظراً إلى محدودية الإمكانات البحرية للحكومة اليمنية.

 

وأضاف أن الحوثيين لا يمتلكون أسطولاً بحرياً قادراً على فرض سيطرة كاملة على المضيق، لكنهم يمتلكون وسائل قادرة على تهديد الملاحة، تشمل الصواريخ والطائرات المسيّرة والزوارق المفخخة، وهي أدوات قد تدفع شركات الشحن إلى تجنب المرور عبر البحر الأحمر.

 

هل يستطيع الحوثيون فرض رسوم؟

 

يرى خبراء أن فرض رسوم عبور يختلف عن تنفيذ هجمات عسكرية على السفن، إذ يتطلب وجود سلطة قانونية وسيطرة ميدانية مستمرة على الممر البحري، إضافة إلى منظومة رقابة وإدارة قادرة على متابعة السفن وإلزامها بالدفع، وهي متطلبات لا تتوافر لدى الجماعة.

 

ويقول الباحث في مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية عادل دشيلة إن الحوثيين ليسوا دولة معترفاً بها حتى يفرضوا رسوماً على السفن كما يحدث في المضائق الدولية الخاضعة لسيادة الدول، مشيراً إلى أن أقصى ما يمكن أن تلجأ إليه الجماعة هو ممارسة ضغوط أو ابتزاز بعض شركات الملاحة عبر التهديد باستهداف سفنها.

 

وأضاف أن الجماعة لا تمتلك وجوداً دائماً في المياه الدولية، كما أن القوات الحكومية اليمنية تنتشر في أجزاء من محيط باب المندب، الأمر الذي يجعل فرض نظام دائم لتحصيل الرسوم أمراً بالغ الصعوبة.

 

التأثير الاقتصادي المحتمل:

 

حتى في حال عدم تطبيق الرسوم، فإن استمرار التهديدات البحرية قد يؤدي إلى نتائج اقتصادية واسعة، أبرزها ارتفاع أقساط التأمين البحري، وزيادة كلفة الشحن، وإطالة زمن الرحلات التجارية مع اضطرار السفن إلى الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح.

 

منذ أواخر عام 2023، غيّرت شركات شحن عالمية بالفعل مسارات سفنها بعيداً عن البحر الأحمر، عقب سلسلة هجمات نفذها الحوثيون ضد سفن قالوا إنها مرتبطة بإسرائيل والولايات المتحدة وبريطانيا، وهو ما أدى إلى ارتفاع تكاليف النقل وتأخر وصول البضائع إلى الأسواق.

 

يُتوقع أن تكون صادرات النفط السعودية عبر ميناء ينبع من أكثر القطاعات تأثراً بأي تصعيد جديد، إذ ستواجه الناقلات المتجهة إلى الأسواق الآسيوية رحلات أطول وتكاليف تشغيل أعلى، فضلاً عن زيادة أسعار التأمين على السفن.

 

 

انعكاسات على التجارة العالمية:

 

يمثل باب المندب أحد أهم الممرات البحرية في العالم، إذ يربط البحر الأحمر بخليج عدن، وتعبره سنوياً آلاف السفن المحملة بالنفط والغاز والسلع التجارية بين آسيا وأوروبا.

 

يحذر خبراء من أن أي اضطراب طويل الأمد في حركة الملاحة عبر المضيق لن يقتصر أثره على دول المنطقة، بل سيمتد إلى سلاسل الإمداد العالمية وأسعار الطاقة والسلع، مع ارتفاع تكاليف النقل البحري وتراجع كفاءة حركة التجارة الدولية.

 

القاهرة تراقب خياراتها:

 

وفي مصر، يرى مراقبون أن القاهرة تتعامل مع تطورات البحر الأحمر باعتبارها تحدياً استراتيجياً أكثر منه أزمة مؤقتة، مشيراً إلى أن تراجع إيرادات قناة السويس يمثل خسارة اقتصادية، لكنه لا يدفع بالضرورة إلى تدخل عسكري مباشر.

 

واستبعدوا انخراط مصر في مواجهة عسكرية ضد الحوثيين، مرجحاً أن تفضل المشاركة في أي قوة دولية لحماية الملاحة إذا جرى تشكيلها، إلى جانب مواصلة الجهود الدبلوماسية عبر القنوات الإقليمية لتجنب مزيد من التصعيد.

 

مستقبل التهديدات:

 

رغم نفي الحوثيين وجود خطة لفرض رسوم على السفن، فإن استمرار التصعيد في البحر الأحمر، وتكرار استهداف السفن التجارية، يجعلان المخاوف قائمة بشأن مستقبل الملاحة في باب المندب.

 

ويجمع مراقبون على أن قدرة الجماعة على تعطيل المرور البحري تبقى أكبر من قدرتها على إدارة الممر أو فرض نظام دائم للرسوم، إلا أن استمرار الهجمات أو التهديد بها يكفي لرفع المخاطر التجارية وزيادة الضغوط على أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية، وهو ما يدفع دول

المنطقة والقوى الدولية إلى التعامل مع أمن البحر الأحمر باعتباره أولوية متصاعدة في المرحلة المقبلة.

 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
Ajouter un commentaire
* Type the result 9 + 9