تفاقمت أزمة الكهرباء في تونس مع تحولها إلى محور مواجهة سياسية داخل البرلمان، بعدما غابت الحكومة بالكامل عن جلسة مساءلة خُصصت لمناقشة الانقطاعات الواسعة للتيار الكهربائي، في وقت تتزايد فيه الضغوط الشعبية والاقتصادية للمطالبة بتوضيحات رسمية وخطة واضحة لمعالجة الأزمة التي ألقت بظلالها على مختلف القطاعات.
شهدت الجلسة البرلمانية، التي عُقدت اليوم الاثنين، غياب جميع أعضاء الحكومة، رغم أنها كانت مخصصة للإجابة عن استفسارات النواب بشأن أسباب الانقطاعات الكهربائية والإجراءات المتخذة لاحتوائها، الأمر الذي أثار انتقادات واسعة داخل المجلس، ودفع عدداً من النواب إلى اعتبار الغياب استمراراً لسياسة الصمت التي رافقت الأزمة منذ بدايتها.
طالب النواب الحكومة بتقديم توضيحات للرأي العام حول أسباب تكرار انقطاع التيار الكهربائي، والكشف عن خطة زمنية لإنهاء الأزمة، في ظل استمرار الانقطاعات اليومية التي طالت عدداً من الولايات، وتسببت في تعطيل الأنشطة الاقتصادية والإدارية، وأثرت في خدمات أساسية، أبرزها التزود بمياه الشرب، كما دفعت إلى احتجاجات في عدة مناطق.
تركزت مداخلات أعضاء البرلمان على تحميل الشركة التونسية للكهرباء والغاز المسؤولية المباشرة عن إدارة القطاع، مع الدعوة إلى فتح تحقيقات بشأن جاهزية وحدات الإنتاج، وبرامج الصيانة والاستثمار، وأسباب اتساع رقعة الانقطاعات رغم الإجراءات المعلنة لترشيد الاستهلاك.
دعا عدد من النواب إلى نشر بيانات تفصيلية حول القدرة الفعلية لإنتاج الكهرباء، وحجم الطلب خلال فترات الذروة، ومدى تأثير النقص في إمدادات الغاز الطبيعي على تشغيل محطات إنتاج الطاقة، مطالبين بمزيد من الشفافية في إدارة الأزمة.
انعكست الانقطاعات الكهربائية بصورة مباشرة على مختلف القطاعات الاقتصادية، إذ تكبدت المصانع والمؤسسات التجارية خسائر نتيجة توقف الإنتاج وتعطل خطوط التصنيع، فيما تعرضت كميات من المواد الغذائية والمنتجات الحساسة للتلف بسبب انقطاع الكهرباء لفترات طويلة.
امتدت تداعيات الأزمة إلى قطاع الخدمات، حيث واجهت المقاهي والمطاعم والمتاجر صعوبات في مواصلة نشاطها، واضطرت مؤسسات عديدة إلى الاعتماد على المولدات الكهربائية والبطاريات، ما أدى إلى زيادة الطلب عليها وارتفاع أسعارها، كما تأثر القطاع الزراعي بتوقف مضخات الري العاملة بالكهرباء، إضافة إلى تعطل محطات ضخ مياه الشرب في عدد من المناطق.
تأتي هذه التطورات في وقت تواصل فيه وزارة الصناعة والمناجم والطاقة العمل من دون وزير مختص بالطاقة، بعدما أقال الرئيس التونسي قيس سعيّد وزيرة الصناعة والمناجم والطاقة في أبريل الماضي، وأسند إدارة الوزارة بالنيابة إلى وزير التجهيز والإسكان.
ترتبط الأزمة الحالية بتحديات هيكلية يواجهها قطاع الطاقة في تونس منذ سنوات، نتيجة تراجع إنتاج النفط والغاز محلياً، وارتفاع الطلب على الكهرباء، وزيادة الاعتماد على واردات الغاز، إلى جانب الضغوط المالية التي تواجهها الشركة التونسية للكهرباء والغاز، وتأخر تنفيذ مشاريع الطاقة المتجددة.
تثير الأزمة مخاوف من استمرار الضغوط على منظومة الكهرباء خلال فترات الذروة، في ظل مطالبات بتسريع إصلاح قطاع الطاقة، وتعزيز الاستثمارات في مصادر الطاقة المتجددة، وتحديث الشبكات، وتحسين الحوكمة، بما يحد من تكرار الانقطاعات ويعزز استقرار الإمدادات الكهربائية مستقبلاً.